23 أيّار 2010

منها ومن البشريّة وإليه!

       أُعاينها، مرّة بعد مرّة، في السّرير، وكأنّ الحياة باتت لديها مختزلة في بعض ما تعاني. وأوّل ما تعانيه أنّها بإزاء الموت. شعور المستأسَر، كيانيًّا، للموت قَصْر على مَن يكابده! لا تتحدّث عنه مباشرة إلاّ للحيظات، لكن سلوكها كلّه محكوم به. اضطرابها، وبعمق، من حين لآخر. كلامها عن ألم العنق الّذي لا يبارحها. تشنّجها. دموعها الّتي تسيل من عينيها رقراقة بلا حواجز. عيناها اللّتان تنشدّان وتغمقان وتضطرب الرّؤية فيهما. كيانها كلّه الّذي يحاول أن يتمسّك بمَن حولها، وكأنّها غريق يبحث عن عارضة خشبيّة يمسك بها ليستعيد شيئًا من شعوره بالطّمأنينة. تَرى فيها طفلاً صغيرًا خائفًا، قلقًا يلوذ بمَن يستأممه، بمَن يستدرّ منه شعورًا بالحنان! تقيم في الضّعف الكامل! عينان لا ترى بهما بوضوح. أذنان تهدران بضجيج داخليّ ولا تسمعان إلاّ يسيرًا، والأكثر بغير صفاء. لا أسنان في الفمّ. تشكو، دائمًا، أنّها تزدرد الطّعام ازدرادًا. كفّاها استطالا. ارتحل عنهما اللّحم وبقيت عروق الدّم والأوصال والعظام. تخال أنّك بإزاء مشهد أيقونيّ ذي بُعدَين لا ثلاثة. نومها قليل. وجهها تجعّد ونحل. جسدها كلّه نقص أكثره إلى جلد وعظام. كلّ شيء فيها بات واهيًا! كلّها بحاجة لأن ترتاح لأنّها تعبة برمّتها! وتخلد في لحيظات إلى ربّها وتسأله أن يريحها، ثمّ يعود الضّعف في التّوق إلى الحياة يُقلق!

       ومع ذلك، ترى في الضّعف تسليمًا لله كبيرًا، وذاك اللّسان الّذي لا يتوقّف عن الأدعية. أحيانًا تخونها الكلمات فتردّدها عينها، ولكنْ بنَفَس ثابت. كلّ كيانها يسمو إلى فوق. عيناها تحكيان وشهقة صدرها! "اللّهمّ مرّ بيمينك على فلان وفلان وفلان". لم يسبق لها أن تعلّمت الصّلاة شرعيًّا ومع ذلك كلّ القلب والجسد والنّفْس والنَّفَس يردّد الصّلاة ويوزّعها يمينًا ويسارًا. عندما تهدأ ثورة ضعفها تصفو وترى بياضًا كالنّور يسطع من بشرتها أو على بشرتها لست أدري! لِمَ يبقيني الرّبّ بعد؟! أطال عمري فوق الحدّ؟! وتتردّد أصوات من هنا وثمّة وكأنّها من آلة تسجيل: لا تكفري يا أمّاه، صلّي! الله عارف متى يأتيك! وترتدّ عن ثورة ضعفها بعضًا، وتسأل علّموني أن أُصلّي! قولي الأبانا! هذه أعرفها! قولي: ربّي يسوع ارحمني أنا الخاطئة. هذه تقولها ثمّ تنسى كلمة من هنا وأخرى من هناك. لم يعد ذهني يحفظ شيئًا! صلِّي لوالدة الإله: أيّتها الفائق قدسها والدة الإله خلّصينا! هذه أيضًا تتهجّؤها ثمّ تنساها! لا همّ عليك يا أمّاه! قولي ما تشائين. أنتِ تعرفين أن تصلّي لأنّ قلبكِ يصلّي! قولي بكلمات وبلا كلمات! الله يسمع صوت الصّامت وصوت القلب، لا تبالي! وتبارك على الجميع وتذكر في صلاتها الكثيرين، خصوصًا الأحبّة. حتّى الّذين تحسب أنّهم لا يحبّونها أو لم تحببهم هي تذكرهم، طالما قيل لها أن تصلّي للّذين يحبّوننا وللّذين يبغضوننا! لا تخافوا الله سيهتمّ بكم ويبارككم! هذا تقوله متى مرّت في نفسها موجة تسليم جميلة إلى ربّها!

       كأنّ الضّعف والألم والوجع لا بدّ منه، أقلّه لأكثر النّاس. هل ثمّة مَن لا يعانون! مسكين الإنسان! لو كان يدري ما ينتظره وما هو عليه! يهربون بكلّ متعة، بكلّ ضحكة، بالأكل، بالشّرب، بالمال، بكلّ ما في هذا الدّهر! آه لو كنّا ندري أنّ العالم مطرح ليتعزّى فيه الإنسان عن الوحشة والوحدة في هذا الدّهر، عن الضّعف الّذي لا بدّ منه. فراغ في فراغ! شيء واحد، في آخر المطاف، يعزّي: الحبّ! لكن واقع الإنسان، بكلّ أسف، أنّه لا يأتي إلى الحبّ إلاّ بالوحشة والوحدة والألم والوجع! بغير المعاناة يحكي الإنسان الحبّ تنظيرًا ولا يعرفه. يعرف عشقه لذاته ولا يعرف لا محبّة الله ولا الآخرين. طيَّب الرّبّ ثرى مَن قال: "سكبت عيناي ينابيع ماء على سحق بنت شعبي. عيني تسكُب ولا تكفّ بلا انقطاع. حتّى يشرف وينظر الرّبّ من السّماء". العالم كتلة ألم تستدعي بحرًا من الدّموع إلى أن يطلّ الرّبّ الإله ويكفكف العبرات ويعزّي القلوب. الكلّ يستصرخ محبّة الله! يحاول الإنسان في عمره أن يتسلّى عن واقع يحسّه في أعماقه كلّ يوم، وقد لا يعيه أو يحكي عنه. مسكين الإنسان! لذلك بالدّمع ونخس القلب واعتصار الكيان يفدي الإنسان شرود النّاس وشرورها حيال ربّها! النّاس للنّاس! كلّ، في العمق، بحاجة لمَن يرحم لا لمَن يرجم! "أُريد رحمة لا ذبيحة"! "تعالوا إليّ يا جميع المتعَبين والثّقيلي الأحمال وأنا أُريحكم". "اللّهم بادر إلى معونتي، يا ربّ، أسرع إلى إغاثتي"! ليس إنسان قويًّا! الكلّ برسم الاستقواء بيسوع أو يهلكون أسى! الكلّ، كلّ هذا الّذي يحدث لنا، هذا الحجم من الآلام والضّيقات حتّى نحمل أنفسنا إليه! تبقى القعدة عند قدمي الرّبّ يسوع هي المرتجى، ويبقى الاتّكاء على صدر السّيّد هو وحده ما يبعث في القلب الطّمأنينة!

       لا راحة لنا هنا! كفاكَ أحلامًا وأوهامًا! تطلّع! أما ترى مقدار الأسى في كلّ وجه، في كلّ صوت!؟ كلّ موسيقى تسمعها فيها دموع وبكاء! حتّى ما يبدو مفرحًا تلمح فيه، إن كان عندك أذن، أنّة! يهربون! الكلّ يهرب من الألم إلى المعاناة! كلّ كسرة خبز مغمّسة بالأسى! الإنسان يصرخ الله! واعيًا أو غير واعٍ! ليس غير يسوع يبقى! تطلّع حواليك! بشريّة تتفكّك! وثمّة مَن يحاول أن يلملمها، وليس مَن يجمعها غير واحد وهو جامعها إلى واحد! الكلّ يحدّث عن يسوع! إلى مَن نذهب اللّهمّ!! كلام الحياة الأبديّة عندك. "يا سور بنت صهيون اسكبي الدّمع كنهر نهارًا وليلاً. لا تعطي ذاتك راحة. لا تكفّ حدقة عينك. قومي اهتفي في اللّيل في أوّل الهُزُع. اسكبي كمياه قلبك قبالة وجه السّيّد. ارفعي إليه يديك لأجل نفس أطفالك المغشيّ عليهم من الجوع في رأس كلّ شارع" (مراثي)!

       لا خوف عليكِ يا أمّاه! أنتِ الآن محاطة بالملائكة ونعمة ربّكِ عليك. أشياء كثيرة لا نفهمها أو نحاول أن نفهمها ولا ندري إن كنّا نصيب الهدف بشأنها! لكنْ شيء واحد نعرفه جيّدًا بالإيمان بيسوع أنّه لا بدّ من مخاض الصّليب إلى المنتهى. بعدَه تأتي القيامة! أنتِ الآن تتهيّئين للدّخول في النّور الإلهي! تذوقين الموت آتيًا إليكِ بثبات، بإذن ربّك، لا عن تخلٍّ منه عنكِ بل لتولدي من جديد إلى النّور، إلى وجه يسوع. إذا كان الموت إليكِ على قاب قوسين وأدنى فالفرح أيضًا والحياة الجديدة! تعبرين بالحزن في الجسد لتأتي إلى الفرح في الرّوح الّذي لا أحد ينزعه منكِ. الرّبّ معكِ. هو أدنى إليكِ الآن من أيّ وقت مضى في حياتكِ. هكذا ناموسه! سلام عليكِ إلى أن نأتي إليكِ بسلام بإذنه! الله معكِ! فانطلقي بسلام إليه! كوني إلى العنصرة المستدامة!

 

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما