"لا تَدينوا لكي لا تُدانوا"
"لا تدينوا لكي لا تُدانوا". هذا قول عظيم. هذا قول نابع من جوف الله. لم يقل الرّبّ: "لا تخطئوا"، مع أنّه قال للّذين غفر لهم ألاّ يخطئوا من بعد. لماذا؟ لأنّ الرّبّ يعرف أنّ الإنسان أعجز من ألاّ يخطئ. حتّى لو رغب في ذلك، فإنّه لا يستطيع. "الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله". لذلك، الّذين لهم نصيب مع الله ليسوا بلا خطيئة. الّذين لهم نصيب مع الله هم الّذين يصلون إلى حدّ في حياتهم لا يعودون يدينون فيه أحدًا. ولكن كيف يبلغ الإنسان حدّ عدم إدانة الآخرين؟ يبلغ الإنسان حدّ عدم إدانة الآخرين متى جعل خطيئته أمام عينيه، كلّ حين، متى عرف نفسه، كيانيًّا، على حقيقتها. مَن كان مُدركًا، في عمق نفسه، أنّ بيته من زجاج، فإنّه لا يعود يلقي الحجارة على بيوت النّاس. لذلك، أمّ الفضائل هي أن يعرف الإنسان نفسه، أن يعرف حقيقة نفسه، أن يعرف خطيئة نفسه: "خطيئتي أمامي في كلّ حين". هذا أيضًا قول عظيم. إذا ما جعل الإنسان خطيئته أمام عينيه كلّ حين، فإنّه يتّضع! ما معنى الاتّضاع؟! – معناه أن يعي، أن يعتبر نفسه وضيعًا، أن يعرف حقيقة نفسه على نجاساتها. إذ ذاك لا يعتبر نفسه لا كبيرًا ولا عظيمًا. التّواضع مسلك واقعيّ جدًّا لمّن يريد أن يعرف حقيقة نفسه. مأساة الإنسان أنّه يظنّ نفسه بلا خطيئة أو يستصغر خطيئته! يظنّ نفسه كبيرًا! يظنّ نفسه عظيمًا! يظنّ نفسه خيرًا من سواه! يستصغر خطاياه، ويستعظم خطايا سواه! يبرّر خطاياه مهما عظُمت، ويلوم الآخرين على أبسط الخطايا! هذا يجعل الإنسان يسلك في الأوهام! يجعله مقيمًا في الكذب. يولّد في نفسه القلق الدّائم، والتّوتّر الدّائم. يصير النّاس، إليه، مصدر إزعاج دائم، لأنّه يرى خطايا الآخرين، ولا يرى خطايا نفسه. طبعًا، كلّ مَن سلك في هذا المسرى وجد نفسه، من حيث يدري أو لا يدري، إنسانًا يتظاهر بما ليس هو عليه. مَن لا يجعل خطيئته نصب عينيه، لا يمكنه إلاّ أن يسلك في الكذب. يعمل، دونما شعور بالذّنب، على تمويه أكاذيبه وخطاياه؛ وتاليًا، على تغطية بشاعات نفسه! كلّ إنسان، بكلّ أسف، جميل ومبرَّر في عين نفسه.
طبعًا، هذا المسار يستدعي أن يستعمل الإنسان مساحيق التّجميل حتّى يظهر جميلاً. يستعمل مساحيق التّجميل الكلاميّة! كثيرون يعرفون صناعة الكلام معرفة جيّدة، فيما قلوبهم سوداء. ويستعمل الإنسان مساحيق التّجميل الخاصّة بالتّهذيب! يهتمّ بالتّصرّف بتهذيب مع النّاس. لكنّ التّهذيب ليس صلاحًا ولا محبّة. التّهذيب قد يكون مجرّد تصرّف خارجيّ يُخفي الإنسانُ بوساطته ما في نفسه من عنف ونجاسة وشراسة. الإنسان الّذي لا يجعل خطيئته نصب عينيه كلّ يوم يُمضي عمره يخترع مساحيق تجميل، ويسعى لتمويه أكاذيبه. مساحيق التّجميل المادّيّة الّتي يستعملها الإنسان، نساءً ورجالاً، في المجتمع، لا شكّ لها علاقة بحقيقة قلب الإنسان. مَن هو الّذي يستعمل مساحيق التّجميل؟! – هو الإنسان الّذي يعي، في قرارة نفسه، أنّه ليس جميلاً بما فيه الكفاية، الّذي يعي أنّه على بشاعة. على العكس، الإنسان المكتفي بما هو فيه، الّذي يشكر الله على ما أعطاه، هذا لا يحتاج إلى مسحوق تجميل. هذا يكون جميلاً لأنّه في داخله جميل. لذلك، إذا كان القلب غير مستقيم، فإنّ كلّ تصرّفات الإنسان تكون غير مستقيمة! والمنطلق هو هنا بالذّات: "لا تدينوا لكي لا تُدانوا"، اجعلوا خطاياكم دائمًا نصب أعينكم، فإن فعلتم ذلك، فإنّكم، عندئذٍ، لا تكتفون فقط بألاّ تدينوا النّاس، بل ترحمونهم أيضًا. كلّما عرف الإنسان نفسه، عرف أنّ الخطيئة صعب استئصالها! وكلّما عرف المرء نفسه، عرف ضعفه! وكلّما عرف الإنسان ضعفه، شعر بالحاجة إلى رحمة الله. لا يمكن لأحد أن يكون له نصيب مع الله، إن لم يرحمه الله. هذا الوعي يجعله يرأف بالنّاس، يجعله يرحم النّاس. الإنسان الّذي يدين نفسه ويمتنع عن إدانة الآخرين، لا يلبث أن يرحم الآخرين، لا يلبث أن ينعطف على الآخرين، لا يلبث أن يسامح الآخرين، لا يلبث أن يبرّر الآخرين.
إذًا، هذا القول للرّبّ الإله كافٍ، بحدّ ذاته، لأن يكون لأيّ واحد برنامج حياة كاملة. إذا عرف الإنسان أن يسلك في هذا القول الإلهيّ، يومًا بعد يوم، فإنّ حياته تستقيم، أموره تستقيم، علاقته بالنّاس تستقيم، نظرته إلى الأمور تستقيم، علاقته بالله تستقيم، علاقته بنفسه تستقيم. وكلّ هذا ينعكس عليه سلامًا في القلب، وفرحًا في الرّوح. إذ ذاك، لا يعود، في تعامله مع الآخرين، في حال انزعاج دائم. يفرح بالآخرين، على الرّغم من كلّ شيء، ويتعاطى مع الآخرين بسلام. الإنسان الّذي يعرف خطيئة نفسه، هذا يعي أنّ هناك موتًا! وتاليًا، يعي أنّنا جميعًا لنا مشروع واحد، مشروع مشترك واحد هو الخلاص. كلّنا في مركب واحد. إذا لم يتعاون أحدنا مع الآخر، فإنّ هذا المركب، وسط العواصف، عواصف العمر، سوف يتحطّم، ولن يخلص أحد. لذلك، أنا أحتاج إليكم، وأنتم تحتاجون إليّ، وكلّ واحد منكم يحتاج إلى الآخرين، حتّى نتمكّن جميعًا، بما أوتينا من نِعَم الله وبركاته، من المحافظة على المركب، والاستمرار في السّفر بوساطته إلى الضّفّة الأخرى. نحن هنا في حالة عبور! هنا ليس عندنا مقام ثابت! "ليست لنا ههنا مدينة باقية، بل نطلب الآتية". نحن ذاهبون، عابرون إلى هناك، إلى وجه الله. هنا، نُعدّ العدّة، كلّ يوم، حتّى نسافر إلى هناك. همّنا أن نصل، أن نبلغ إلى هناك. وحتّى نبلغ إلى هناك، كلّنا يحتاج إلى الجميع. لا يمكن الإنسان أن يخلص وحيدًا! أجزاء السّيّارة إذا لم تعمل متعاونة، فإنّ السّيّارة لا يمكنها أن تقلع، ولا يمكنها أن تسير، ولا يمكنها أن تبلّغ الّذين فيها إلى حيث يريدون أن يبلغوا. لهذا السّبب، نحن نحتاج إلى أن يسامح أحدنا الآخر، إلى أن يرحم أحدنا الآخر، إلى أن يتعاون أحدنا مع الآخر، إلى أن يحتضن كلّ واحد منّا الآخر. كيف نفعل ذلك؟! – نفعل ذلك حين لا يدين أحدنا الآخر. وكيف لا يدين أحدنا الآخر؟! – عندما يدين نفسه! عندما يجعل خطاياه نصب عينيه! الحياة الرّوحيّة بأكملها مركّزة في هذا القول الإلهيّ. وإذا عرف الإنسان نفسه، ولم يدن أحدًا؛ فإنّه، متى أتى إلى الدّينونة، يريه الملائكة خطاياه، ويقولون له: "هذه خطايا مَن؟" فيقول: "هذه خطاياي، ولكن أنا لم أدن أحدًا؛ فمن حقّي، الآن، على الرّبّ الإله ألاّ يدينني". إذ ذاك، كلّ الخطايا الّتي سبق لنا أن وقعنا فيها، في حياتنا، تُغفر لنا. الحقيقة أنّ الإنسان الّذي لا يدين أحدًا يتعلّم، شيئًا فشيئًا، أنّ الخطيئة لا تنفع. وهذا يجعله يمجّ الخطيئة، يرفض الخطيئة، يقتنع في قرارة نفسه أنّ الخطيئة شيء قبيح.
إذًا، من هذا القول أيضًا يتعلّم الإنسان أن يرفض، كيانيًّا، خطيئته، وأن يقاومها. لذلك هذا القول الإلهيّ العظيم مُعطًى لنا بمثابة جوهرة من عند الله. هذه جوهرة كافية للإنسان، إذا ما أراد، لكي يحيا بها، ولكي يتعلّم كلّ الفضائل، ولكي يحبّ، ولكي يتعلّم كيف يتعامل مع الدّنيا الّتي هو فيها. إذ ذاك، يتسلّل إليه فرح الرّبّ وحياة الرّبّ من حيث لا يدري. الله يعطينا، إذ ذاك نفسه، بالكامل! إذا لم ندن الآخرين، فالله لا يديننا. وإذا لم يدنّا الرّبّ الإله، فإنّه يعطينا نفسه بصورة كاملة وكلّيّة. يدخلنا إلى قلبه وإلى فرحه.
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما



