20 حزيران 2010

دمعة!

       ... وملكت على الابن الأصغر الرّغبة في الرّحيل فطالب بما لا حقّ له فيه. أعطاه أبوه ما أراد فجمع كلّ شيء وذهب إلى بلد بعيد. لم يقل الأب كلمة، لزم الصّمت. لكنّه قال ما هو أبلغ من الكلام: بكى لأنّ الله محبّة!

       ثمّة ثرثرة في حلب!

       سألني أخ: ما رأيك بما يجري في حلب؟ لم أجبه لأنّي لم أكن عارفًا بما يجري. استطلعت فسمعت أكثر من رواية. فقلت الصّمت أجدى. طالما كلّ يظنّ نفسه على صواب والآخر على خطأ فلا جدوى من الكلام. عندما قال أحدهم للسّيّد: قل لأخي أن يقاسمني الميراث، أجابه: مَن جعلني، يا بنيّ، قاضيًا عليكما؟! الباحثون عن القضاء يغرِّدون خارج سرب المسيح، ولو تمسّحوا بالمسيح!

       أوّل الحقّ الإلهيّ أن تنظر الهوى الّذي فيك والصّلاح الّذي في أخيك. فكلّما عرفت نفسك، على حقيقتها، برّرت أخاك. وكلّما أبغضت ما في حشاك أحببت أخاك. "أخي هو حياتي"! فإن صار أخوك عدوّك فقد سلّمت حياتك لعدوّ الله!

       ليس الأب مَن يطيعه أولاده بل مَن يصبر على أولاده بالدّمع والصّوم والصّلاة حتّى يطيعوا الله وإيّاه كإيقونة لله. لهذا المسرى يعيش ولهذا المسرى يموت وبهذا المسرى يتقدّس وتفوح منه رائحة القداسة بين الّذين أُقيم عليهم عساهم بها يرعوون ويتقدّسون. ولا الابن مَن يظنّ أنّه من حقّه أن يتركه أبوه يتصرّف على هواه، بل مَن يوقّر أباه ويأخذ من فمه الشّريعة كمن فم الله. بهذا المسرى يصير ابنًا لله، وبهذا المسرى يحمل صليبه، كلّ يوم، ويمشي في إثر المعلّم، وبهذا المسرى يذوق قيامة الصّليب. إذا لم تكن المحبّة بيننا هي السّلطة فالسّلطة الّتي نتعاطاها تقيم الأوثان وتهدم النّفوس!

       الصّراع بين ملاك حلب والحركة في حلب، أَمِنْ مبرّرٍ له في كنيسة المسيح؟ هل ثمّة هرطقة جديدة تشيع؟ هل ثمّة آريوس جديد يطلّ علينا من جديد؟ قولوا لنا لنشترك وإيّاكم في دحضه! هل ثمّة مخالفة لقوانين الكنيسة صريحة؟ ثمّة مرجع قانونيّ أعلى يُفترض أن ينظر في الأمر، عودوا إليه! هو ينصفكم إذا عَدَل! لتجرِ الأمور بلياقة وترتيب! فإذا لم يكن هناك لا هرطقة ولا مخالفة صارخة لقوانين الكنيسة فالصّراع صراع أهواء! إذا لم يكن هناك أسقف يجاهد ليحبّ خاصّته ولو واحدًا، هو الخروف الضّال، إلى المنتهى، وإذا لم تكن هناك حركة تطيع أسقفها في حقّ الإنجيل إلى المنتهى وفق اللاّهوت الكنائسانيّ الّذي لنا، فإنّنا لا نسلك بعد في المسيح ولسنا بعد في صدد تعاطي عمل روح الله في كنيسة المسيح، بل ننضمّ، باسم المسيح، إلى الّذين حوّلوا بيعة الله من بيت صلاة إلى مغارة لصوص فكريّة!

       للحركة تاريخ عريق، في حلب وخارج حلب. فإذا ما أساء بعض الحركيّين التّصرّف فلنصلحهم بروح الصّبر والكلمة الطّيّبة والوداعة! لعلّهم خائفون! لعلّهم يشعرون بأنّ ثمّة مَن يروم إلغاءهم ولا ثقة لهم بمَن يرعاهم! لعلّهم بحاجة للشّعور بالأمان والعطف والحنان ليطمئنّ قلبهم! إذا صرخ ابنك في وجهك فليس هذا، بالضّرورة، لأنّه وقح في عمق نفسه، بل ربّما لأنّه يشعر بأنّه مهدّد وغير محبوب! ألا حقّ له بالوجود الفاعل؟! ألا حقّ له بأن يكون ابن الله في كنيسة مسيحه؟ ألم يعطِ القرار المجمعيّ، العام 1946 الحركة الحقّ، في أن تعمل بثقة في الكنيسة الأنطاكيّة؟! إذًا لا حقّ لأحد في إلغائها إلاّ المجمع المقدّس إذا ما شردت شرودًا كبيرًا! فيما عدا ذلك نتبنّاها ونلتزمها ونرمّم ما انهدّ فيها ونستعيد مَن شرد منها!

       ولملاك الأبرشيّة أيضًا الإشراف والحقّ في أن يُطاع. هو الأسقف وحيث يكون الأسقف هناك تكون الكنيسة! فإذا ما قسا فلعلّه يشعر بأنّ ثمّة نزعة لدى الحركيّين في حلب للاستقلال عنه والتمرّد عليه. هذا أسقفكم، تعلّموا أن تحبّوه وتوقّروه وتطيعوه! إذا ما كان من حقّ الحركة على ملاكها أن يحتضنها ويدعمها ويفرح بها أن تسلك في المسيح بحرّيّة أبناء الله، فمن حقّ أسقف حلب على الحركة أن لا تفعل شيئًا من دون بركته فعليًّا. شيءٌ من نَفَس مطران حلب لا بدّ أن يدخل في عمل الحركة في حلب وشيء من نَفَس الحركة لا بدّ أن يدخل في التزام عمل الأسقف في أبرشيّته، في مجال الشّبيبة!

       نقّوا نواياكم فتصلوا إلى حلّ وإلاّ وقعتم في المحظور! لا مساومات تنجح حيث المحبّة هي المطلوبة!

       في رواية الإخوة كارامازوف، كان هناك خلاف حادّ بين الأخوَين ديمتري وإيفان. فجاء سرجيوس، الأخ الأصغر، بشيخه الرّوحيّ، المظنّ أنّ المقصود به القدّيس أمبروسيوس أوبتينا، ليفصل في قضيّتهما. فلمّا أدرك ما في نفسيهما من تحكّم هوى، سجد أمام الأخوَين وقال لهما: أنتما لا تبحثان عن كلمة الله ولا عن المصالحة. أنتما تطلبان الصّراع والهلاك! لذا لا شيء عندي أقوله لكما وخرج!

       إذا لم يكن أسقف حلب مستعدًّا لأن يحتضن الحركيّين في حلب بقلب كبير فسيبقى الجرح مفتوحًا! وإذا لم تكن الحركة مستعدّة لأن تطيع أسقفها في حلب فلتعلم أنّ هناك خطرًا حقيقيًّا يحدق بها! اعملوا ما هو أسلم لبيت الله بمخافة الله! مشكلة كلّ واحد مع نفسه أوّلاً! بعد ذلك يأتي الحلّ!

       أمّا نحن، بإزاء الحوار الّذي يبدو بابليًّا هناك، إن استمرّ، بإصرار، فليس لنا ما نقدّمه سوى دمعة صامتة!

        "أيّها الملك السّماويّ المعزّي روح الحقّ، الحاضر في كلّ مكان والمالئ الكلّ، كنز الصّالحات والرّازق الحياة هلمّ واسكن فينا، وطهّرنا من كلّ دنس، وخلّص أيّها الصّالح نفوسنا".

بمحبّة المسيح
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما