27 حزيران 2010

ملاحظات بشأن الاعتراف
بالخطايا

       الاعتراف بالخطايا يقوم على أساس التّوبة. إن لم تكن تائبًا فلا قيمة لاعترافك. والتّوبة هي أن تندم على ما فكّرت فيه رديئًا أو فعلت أو قلت وتعزم على العودة عنه ببذل الجهد كاملاً لتصدّ فيك تجربة يمكن أن تعيدك إلى ما سبق أن وقعت فيه، فكرًا أو فعلاً أو قولاً. ولكي تكون التّوبة جدّية، لا مجرّد شعور عابر بالنّدم المخفَّف الّذي لا يلبث أن يتبدّد، تحتاج إلى معرفة، لا إلى معرفةٍ فقط بما أخطأت به: كذبتُ، سببتُ، سرقتُ، تكلّمتُ بالسّوء، تشارهتُ، لم أُصلِّ، لم أصُمْ... بل، بالأولى، إلى معرفةٍ بالسّبب العميق الّذي دفعكَ إلى ما وقعت فيه. إذا نظرتَ شجرة فيها أوراق صفراء تموت فلا يكفي أن تقصفها لتنقِّي الشّجرة منها. الشّجرة إذا كانت أوراقها خضراء فهذا لا يعني أنّها صحيحة معافاة، بل يعني أنّها تظهر كذلك. والدّليل على ذلك أنّه ما إن تمضي أيّام قليلة على تنظيفك الشّجرة من الأوراق الصّفراء حتّى تلاحظ أنّ أوراقًا صفراء جديدة أخذت تظهر في الشّجرة. إذًا المشكلة ليست في الورقة بل في الشّجرة من الدّاخل. هذا ما عليك أن توجّه انتباهك إليه وتفحصه جيِّدًا. هذا، تمامًا، ما يحدث لي ولك متى وقعنا في الكذب أو السّباب أو السّرقة أو ما شابهها. هذه هي الورقة الصّفراء. فإن اكتفينا بالاعتراف بها، فلن نلبث أن نقع فيها من جديد. تعود الأوراق الصّفراء لتظهر من جديد. إذًا مجرّد الاعتراف بمثل الخطايا الّتي ذكرت لا يكفي، علينا أن نوجّه انتباهنا إلى داخل نفوسنا لنتفحّص جيِّدًا ما فيها ونكتشف السّبب العميق الّذي يجعلنا نخطئ، السّبب الّذي هو وراء اصفرار بعض الأوراق في شجرتنا الخاصّة.

       إنّ القيام بهذا العمل، كما ينبغي، يحتاج إلى اطّلاع وسؤال وانتباه إلى حركة القلب. نطّلع، من خلال قراءة الكتب والمقالات الّتي تعالج موضوع التّوبة والاعتراف، على ما يقوله آباؤنا من خبرتهم، في الشّأن المعروض، لنعرف، بعامة، الأسباب الكامنة وراء الخطايا، خطايانا وخطايا الآخرين. الحاجة الأولى، إذًا، هي إلى الدّرس ومطالعة الكتب المتخصّصة. والحاجة الثّانية هي لأن نسأل مباشرة الّذين يعرفون بالخبرة. هنا نسأل الآباء الرّوحيّين. بعض الكهنة الرّعائيّين يعرفون لأنّهم مجدّون في سبل الحياة الرّوحيّة، وكذلك بعض الرّهبان. هنا تجدر الإشارة إلى أنّ المؤمن ليس ملزَمًا بالتّوجّه إلى كاهن الرّعيّة الّتي ينتمي إليها ليعترف، مع أنّ هذا مستحسن إذا ما كان كاهن الرّعيّة مستنيرًا وقادرًا على أن ينفع المؤمنين في هذا الشّأن. المهمّ المنفعة لا الاعتراف الشّكليّ. إذًا نسأل الآباء الرّوحيّين، أصحاب المعرفة والخبرة. المؤمن يعترف بخطاياه لدى أيّ كاهن يشاء. المهمّ أن يجد منفعة لديه.

       لكن الإطّلاع والسّؤال لا يكفيان. المعلومات علينا أن نوظّفها. لذا علينا أن نتمرّس على النّظر في دواخل نفوسنا. هذا ما يوفّر لنا جني المنفعة. مثلاً: لماذا كذبت؟ هناك أسباب عديدة للكذب. ربّما كذبت عن خوف، لأنّي أخاف عواقب الصّدق. وربّما كذبت لأنّي أخشى أن يغيِّر الآخرون رأيهم فيّ. وربّما كذبت عن طمع لأنّي أسعى إلى تحقيق كسب ماديّ معيّن. وربّما كذبت لأنّي أحسد إنسانًا وأشتهي تشويه سمعته أو التّسبّب في أذيّته. وربّما كذبت لأوهم النّاس أنّي من العارفين الفهماء في هذا المجال أو ذاك. متى عرفت، بالاستطلاع الدّاخليّ، السّبب الّذي يدفعني إلى الكذب يصير بإمكاني أن أُشفى. الاعتراف قيمته هي في أنّه ذو طبيعة علاجيّة. الاعتراف ليس موضوعًا قانونيًّا، بالمعنى الدّهريّ للكلمة، بل موضوع استشفائيّ، بالمعنى الرّوحيّ للكلمة. أعترف بخطاياي لأنّ الخطيئة مرض وأنا أطلب البرء. وأنا إنْ شُفيتُ من خطيئتي فإنّي لا أتحرّر منها وحسب بل من نتائجها أيضًا. طبّيًّا، الميكروب قد يؤدّي إلى التهاب والالتهاب إلى اشتراكات. وإذا كان ممكنًا، بسهولة نسبيّة، القضاء على الميكروب، إذا كان المرء عارفًا بما يعمل، فالشّفاء من الاشتراكات صعب جدًّا لأنّ الأمور، إذ ذاك، تتعقّد وتتداخل وتشكّل، على الإنسان، خطرًا ليس بقليل. على هذا النّحو يمكن أن تؤدّي الخطايا إلى أمراض روحيّة ونفسيّة وجسديّة عديدة وخطرة، وحتّى خطرة جدًّا.

       فعلى الصّعيد الرّوحيّ، مثلاً، تُضْعِف الخطيئة، متى اعتدناها، الإرادة، ويؤدّي ضعف الإرادة إلى ما يشبه ضعف المناعة، فيصير الإنسان عرضة، بسهولة، للتّأثيرات الشّرّيرة. هذه تجعله قابلاً للإيحاءات الشّيطانيّة من كلّ نوع، فيقع في الوساوس الإبليسيّة كمثل وسواس أو إلحاح روح الزّنى والغضب والحقد عليه. في هذه الحال يصير الإنسان أداة يحرّكها الشّيطان في الاتّجاه الّذي يشاء وعميلاً يستخدمه لتحقيق مآربه بين النّاس والسّعي لتعطيل عمل الله. وقد يصل الإنسان، والحال هذه، إلى حدّ يملك معه الشّيطان عليه بالكامل، كما قد يسكن فيه ويعمل، مباشرة، من خلاله.

       هذا على الصّعيد الرّوحيّ، أمّا على الصّعيد النّفسيّ، فالأمراض النّفسيّة، في فهمنا، مردّها خطايا الإنسان وخطايا والديه وأجداده بخاصة حيث إنّه لا إنسان جزيرة. نحن لا نؤمن بجدوى أكثر العلوم النّفسيّة كما تُتعاطى، وذلك لثلاثة أسباب: السّبب الأوّل أنّ العلوم النّفسيّة، أكثرَها، لا يأخذ في الاعتبار لا وجود الله ولا حضوره ولا عمله في حياة الإنسان. والسّبب الثّاني أنّها لا تأخذ في الاعتبار لا وجود الشّيطان ولا تأثيراته السّالبة في عالم الإنسان وما في داخل قلبه. والسّبب الثّالث أنّها تعتبر الإنسان صالحًا في المبدأ وتركّز على طبيعته  الّتي تتعرّض للخلل بسبب من ظروف من خارجه وأخرى من داخله. علوم النّفس، بعامة، تهتمّ بمحاولة إصلاح هذا الخلل من خلال العلاج بالكلام أو بالأدوية أو بالصّدمات الكهربائيّة أو ما شاكل ذلك، ولها تصوّر خاص بها لتركيب النّفس البشريّة وعلاقة النّفس بالجسد. هذا، في منظورنا، لا ينفع، في أكثر الأحيان، لأنّه قائم على جهل بحقيقة طبيعة الإنسان والكون، وقطب اهتمامه هو تعاطي الظّواهر ومواراتها، بناء لنظريّات مغلوطة، دون الأسباب العميقة الحقيقيّة لما يعاني منه الإنسان.

       أمّا على الصّعيد الجسديّ، فتؤدّي الخطيئة إلى أمراض جسديّة مختلفة. هنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الإنسان وحدة واحدة، روحًا ونفسًا وجسدًا، لذلك ما يحدث لديه على صعيد الجسد له علاقة بالحاصل لديه على صعيد الرّوح والنّفس وهكذا بالنّسبة لتأثير الجسد على النّفس. فاعتلال الجسد روحيّ المصدر وله صداه النّفسيّ، واعتلال النّفس، أيضًا، في علاقتها بالرّوح والجسد.

       هذا وللأمراض النّفسيّة والجسديّة سببان أساسيّان: السّبب الأوّل الخطيئة والشّيطان الفاعل من خلالها، بصورة مباشرة وغير مباشرة. والسّبب الثّاني هو مجد الله. لذا قال يسوع عن مرض لعازر: "هذا المرض ليس للموت بل لأجل مجد الله" (يو 11: 4). هذا لا يعني أنّ الله يُسرّ بمرض الإنسان أو بمعاناته ولكنّه يعطي الإنسان، أحيانًا، أن يمرض ليتمجّد اسمه فيه. فقط المؤمنون بعمق يدركون ذلك. القدّيسة سنكليتيكي مرضت مرضًا قاسيًا جدًّا، والشّيخ بائيسيوس، في الزّمن الحديث، كان يصرخ في مرضه الصّعب: "شهادة لله! شهادة لله!" لا ضرورة، في المبدأ، للإنسان أن يمرض. الشّيخ برفيريوس تكلّم على ذلك بوضوح. لو كان لا بدّ للإنسان، بحسب الطّبيعة، من أن يمرض، لكان الرّبّ يسوع مرض ولو مرّة واحدة في مسيره على الأرض. ليست هناك ولا كلمة واحدة تشير إلى أنّه مرض. وهناك قدّيسون عديدون لم يمرضوا ولا مرّة في حياتهم. صحيح أنّ الإنسان سقط بآدم وحوّاء لكن إعادة ولادته بالماء والرّوح أحدثت في طبيعته تغييرًا جذريًّا، إذ لم يعد ذا طبيعة بشريّة بحتة، بل صار ذا طبيعة إلهيّة بشريّة، صار كلّه لله. "أم لستم تعلمون أنّ جسدكم هو هيكل للرّوح القدس الّذي فيكم الّذي لكم من الله وأنّكم لستم لأنفسكم... فمجّدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم الّتي هي لله" (1 كو 6: 19 – 20). في المسيح، الصّحّة والمرض، سواء بسواء، صارا لمجد الله، ولم يعودا قصرًا على واقع الطّبيعة البشريّة وإفرازاتها.

       خلاصة القول إنّ الاعتراف بالخطايا مهمّ جدًّا وله طبيعة علاجيّة على أن يكون في إطار التّوبة. وما دام الاعتراف قائمًا في إطار التّوبة فنحن لا نعترف بالخطايا الّتي اقترفناها، فكرًا وفعلاً وقولاً، وحسب، بل بالأسباب الّتي أفضت بنا إليها أيضًا. من هنا ضرورة نظر الإنسان، بإمعان، بما في داخل نفسه واجتهاده ليتنقّى منها، بنعمة الله وعونه. هذا ما يؤمّن للإنسان العافية. في الخطيئة المرض وفي العفّة، أي في نقاوة القلب، العافية، على كل صعد الإنسان، روحًا ونفسًا وجسدًا!

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما