رائحة الكذب
الكذب من الشّيطان لأنّ الشّيطان هو الكذّاب وأبو الكذّاب. فكلّ مَن يكذب كان الشّيطان المتكلّم فيه.
دليلنا أنّ الشّيطان قابض على أكثر النّاس أنّهم يكذبون. لقد بات متعذّرًا، إلى حدّ بعيد، إيجاد الإنسان الصّادق. الكذب تطبّع بين النّاس لدرجة أنّ قلّة عزيزة جدًّا لا زالت تشعر بأنّها ترتكب إثمًا إذا ما كذبت. الصّدق والكذب، في الممارسة، باتا في مستوى واحد من القيمة. المعيار هو ما يوافق مصالح النّاس وأهواء النّاس وصورة النّاس بين النّاس.
ثلاثة تتحكّم، من هذا المنطلق، في العلاقات: الكذب والتملّق والكلام الرنّان. لذا قلّما تجدُ، بعدُ، للمحبّة مكانًا بين النّاس. عندنا، نحن الشّرقيّين، كلام عاطفيّ كثير، ولكن لا محبّة أو تكاد في التّداول!
ثمّة قوى تسيِّر الجماهير، اليوم، كما لم تسيِّرها في أيّ وقت مضى في التّاريخ. المثلّث البارز، في هذه القوى، هو: محبّة المال وطلب السّلطة والسّعي إلى متع الحياة. الحقّ، في هذا الترسيم، لم يعد ما يشهد المرء له. الحقّ، بالأكثر، يُزوَّر!
ما هي المحبّة؟ هي، في المطلق، الله. الله محبّة. كلّ ما هو إيّاه وكل ما بدر ويبدر عنه محبّة. والمحبّة للإنسان هي أن يصير على مثال الله في المحبّة: داخلُه محبّةٌ لله ومن ثمّ للنّاس وسعيُه دؤوب إلى الخروج من الذّاتيّة حتّى لا يعود لمحبّة الذّات موضع في نفسه. فكره وكلامه وسلوكه يُمسي، إذ ذاك، إشعاعَ محبّةٍ إلهيّة تنبع من كيانه. المحبّة هي للإنسان، في القصد الإلهيّ، المرتجى. وحيث لا محبّة هناك مفاعيل موت!
وما هو الحقّ؟ الحقّ، أيضًا، في المطلق، هو الله. الله حقّ. كلّ ما هو إيّاه حقّ وكذا كلّ ما يبدر عنه. المسعى للإنسان أن يكون في الحقّ ليصير أيقونة لله. والإنسان يكون في الحقّ إذا ما حفظ وصيّة الله لأنّ كلام الله حقّ. وحيث لا حقّ يسلك فيه الإنسان يكون في الضّلال!
المحبّة والحقّ وجهان لوجود إلهيّ واحد. لا يمكن أن تقيم المحبّةُ في الإنسان إلاّ إذا أقام في الحقّ. ولا يمكن أن يعرف الإنسان الحقّ إلاّ إذا كانت المحبّة أساس وجوده. ثمّ بين المحبّة والحقّ صفة مشتركة هي الأمانة. المحبّة تستلزم الأمانة ولا حقّ من دون أمانة. لكنْ للأمانة عدوٌّ واحد: الكذب! لذا النّفسُ الّتي تلتزم الكذب سيرة لا تعرف المحبّة ولا تعرف الحقّ مهمّا تكلّمت عليهما. الإنسان الّذي يتكلّم على المحبّة والحقّ ولا يسعى، بكلّ قواه، إلى السّلوك فيهما هو من الكذّاب، ويعمل، من حيث يدري ولا يدري، في خدمة ضدّ المسيح.
وأقسى الكذب وَقْعًا أن يُتعاطى في الكنيسة، لأنّها هيكل الحقّ، وأن يسلك فيه بعض المؤمنين، بيسر، وكذا بعض المسؤولين. طبعًا يمكن أن يُرصَد الكذب على صعيد الكلام بمقارنة الأقوال بالأقوال. هنا قد يتمكّن المرء، بذكائه واحتيالات نفسه، من الظّهور بمظهر الحمل وملاك النّور: كلام طيّب، رقّة، لطف، سعي سلاميّ، استشهادات من الكتاب المقدّس وأقوال الآباء الخ... ومن ثمّ يمكن أن يخفي الكذوب مقاصده إلى حدّ بعيد بادّعاء ما ليس عليه والكلام عمّا ليس فيه. لذلك أكثر ما يُرصَد الكذب بالعين، عين القلب، وبالإحساس العميق. صحيح أنّ إبليس يسعى إلى إيهام بعض النّاس بأنّ مَن يودّونهم حقًّا يكذبون ويُراؤون، ولكنْ صحيحٌ، أيضًا، أنّه يسعى إلى تمرير الكذب من الواحد إلى الآخر في حلّة المحبّة والحقّ. إبليس يعمل في الاتّجاهَين ويسعى لأن يتغلغل في ثنايا قلوب النّاس ومَن هم بإزائهم. فقط الّذين تمرّسوا في الحقّ والمحبّة يكشفون ألاعيب إبليس ويفضحونها. من دون هذا المراس يسود البلبال وتنعدم الثّقة بين النّاس.
والمسؤولون، في هذا السّياق، محطّ الأنظار. المسؤول، عمليًّا، هو القدوة لأنّه يُفترَض به أن يكون الذّبيح على صورة الذّبيح، فهو الباذل نفسه عن الخراف والذّاهب وراء الخروف الضَال حتّى يجده. فإذا رأى الخرافُ أنّ أقوال المسؤول عنهم لا تتماشى مع أفعاله، وإذا أحسّوا، لديه، بتصرّف مشبوه أو ببادرة نابية أو بتهرّب من الإيفاء بوعد، بكلام آخر إذا لم يشعروا بمحبّته حيالهم وبصدقيّة الحقّ فيه بإزائهم، فإنّ الشّكّ والرّيبة يتسلّلان إلى نفوسهم، والثّقة بالمسؤول عنهم تبلغ أدنى مستوى لها في قلوبهم. قد يكون المسؤول، في ذلك، أحيانًا، مظلومًا، هذا وارد، ولكنْ خيرٌ له أن يتمسّك بالحقّ ولو مات مظلومًا، من أن يعامِل أحدًا بالظّلم. بلى الشّعوب تقتل ملوكها، أحيانًا، والجماعات المسؤولين عنها، حتّى القدّيسين. هذا كان حال يسوع! لكنّه لا يوافق المسؤول أن يَرذل أحدًا! المسؤول الظّالم يهدم نفوس العديدين ولو ظلمه بعضُ النّاس، أمّا المسؤول المظلوم، الّذي يرتضي أن يكون على صورة معلّمه، فهذا يمدّ السّيّد إلى كثيرين، إلى جيل بعد جيل. إذا كانت موهبة الجماعة أن تطيع المسؤول عنها فموهبة المسؤول أن يقبل ظلم جماعته ويموت من أجلها. المظلوميّة موهبة المسؤولين حتّى تحيا الجماعة! أليس من أجل ذلك قال الرّسول المصطفى بولس إنّ "الموت يعمل فينا ولكنْ الحياة فيكم" (2 كور 4: 12)؟ أليس من أجل ذلك، أيضًا، قال الرّسول عينه: "لسنا نجعل عثرة في شيء لئلا تُلام الخدمة، بل في كلّ شيء نُظهر أنفسنا كخدّام الله في صبر كثير..." (2 كو 6: 3 – 4)؟
بالكذب والظّلم يشاء الشّيطان أن يسلم المؤمنين بالمسيح إلى الذّبح. بالكذب والظّلم ذُبح مسيح الرّبّ وبالكذب والظّلم ذُبح يوحنّا المعمدان، وبالكذب والظّلم ذُبح أكثر الرّسل، وبالكذب والظّلم لا زال الخراف يُذبَحون والرّعاة القدّيسون أيضًا!
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما



