تساؤلات بشأن جامعة البلمند!
سألني أحد أصدقاء الدّير عن رأيي في تسمية المستشفى المزمع إنشاؤه، في إطار جامعة البلمند، باسم "الرّئيس رفيق الحريري" وعن الضّجّة والاحتجاجات الّتي أعقبت ذيوع إعلان التّسمية.
لأبدأ من الشّقّ الأخير لأُعالج، من ثمّ، الشّقّ الأوّل بشيء من الإسهاب، أقول، ولا أقول جديدًا، إن الضّجّة والاحتجاجات الّتي طالعتنا، في هذا الشّأن، لها، في رأيي، بُعدان متداخلان: بُعدٌ طائفيّ وبُعد سياسيّ. بعض الكورانيّين شعروا بالمهانة، بصورة عفويّة، للتّسمية وبعضهم، بدعم وتشجيع من قوى معروفة، حاول أن يستغلّها سياسيًّا وإعلاميًّا، ابتغاء تحقيق مكاسب. وما ذلك بمستغرَب لأنّ كلّ شيء، في البلد، تقريبًا، بات مسيّسًا، والاهتمامات الأهليّة أُخرجت، إلى حدّ بعيد، من نطاق المواطنيّة الحقّ والدّولة والقانون إلى نطاق التّجاذبات السّياسيّة، حتّى أبسط الأمور.
كنسيًّا، كما أرى الموضوع، لا تستحقّ التّسمية المقترحة مثل هذه الضّجّة الّتي انطلقت لأنّ الكنيسة، كما هو بيِّن، غير معنيّة، فعليًّا ومباشرة، بما جرى. أقول ذلك لأنّ جامعة البلمند أَخذت، منذ نشأتها، منحى علمانيًّا متناميًا. طبعًا، قامت ببركة القيِّمين على الكنيسة الأرثوذكسيّة الأنطاكيّة، وعلى أرض تملكها الكنيسة، لكنّ الخطّ الّتي اتّبعته وتتّبعه ليس كنسيًّا أرثوذكسيًّا، بالمعنى الصّارم للكلمة، بل، بالأحرى، دهريّ ولو كانت له مسحة طائفيّة من حيث التباس تركيبة الجامعة. القيِّمون عليها يباعدون، بشكل واضح، ما بينهم وبين ما يمتّ إلى رموز الكنيسة الأرثوذكسيّة بصلة قدر الطّاقة والإمكان. العلاقة بين الجامعة والكنيسة علاقة، بالعمق، في الشّكل أكثر ممّا هي علاقة في المضمون. طبعًا هناك مَن يُروّج لفكر مؤدّاه أنّ الرّوحيّة الدّهريّة للجامعة تنبع من فكر الكنيسة، سواء بالنّسبة لترسيخ الطّابع غير الطّائفيّ للجامعة، أم بالنّسبة للإيحاء بأنّ الجامعة تعمل على التّفاعل الحسن بين الطّوائف في بلد تعدّدي، أم بالنّسبة للحوار المسيحي الإسلاميّ أم غير ذلك. ولعلّ هناك مَن يحاول أن يعطي، من خلال النّهج الدّهريّ العلمانيّ للجامعة، صورة عن أبناء الطّائفة الأرثوذكسيّة، إذا ما تفلّتوا من كنيستهم، أنّهم الأكثر أهليّة للانفتاح على سائر الطّوائف المسيحيّة والإسلاميّة والأقدر على بناء الجسور بين أبناء الوطن الواحد، بغضّ النّظر عن انتماءاتهم الطّائفيّة. هذا كلّه، ربّما، يسعى القيّمون على تحقيقه في إطار علميّ يأملون في جعله مرموق المستوى بين الجامعات العاملة على أرض الوطن. طبعًا، هذه وجهة نظر غير مقنعة ولو كانت قابلة للنّقاش. وثمّة مَن يظنّ بضرورة وجود جامعة "أرثوذكسيّة"، في زحمة الجامعات التّابعة أو النّابعة من طوائف شتّى، دونما دراية بمضامين أرثوذكسيّتها.
على أنّ هناك موقفًا آخر من جامعة البلمند يستحقّ الاهتمام لأصالته ولو كانت قلّة من أبناء الطّائفة الأرثوذكسيّة الأنطاكيّة تعي ماهيّته الحقّانيّة وأهمّيّته وتلتزمه. لا شكّ أنّ تأسيس جامعة "أرثوذكسيّة"، ولو بمضمون غامض، يرضي غرور العديد من أبناء الطّائفة. ولكنْ اسمحوا لي أن أسأل: هل الكنيسة الأرثوذكسيّة الأنطاكيّة بحاجة، فعلاً، إلى جامعة؟ أفهم أن يخوض بعض الأرثوذكس، كلٌّ وفق موهبته وطاقته، في مشروعات أهليّة وعلميّة مختلفة. هذا مجال شهادة لهم للمسيح في مجتمعهم إذا ما حرّكهم روح الرّبّ، وإلاّ لا يعنينا، كنسيًّا، ما يخوضون فيه. ولكنْ ما الفائدة المبدئيّة الّتي تجنيها الكنيسة من تأسيس جامعة؟ طبعًا هناك علوم يمكن أن تكون نافعة لأبناء الإيمان، في سعيهم الكنسيّ، ولكن الجامعة شيء آخر! هل الجامعة، في فلسفتها الحيّة، أداة قداسة لأبناء الكنيسة؟ لا أظنّ! في كلّ حال يبدو أنّ جامعة البلمند رمت، منذ أوّل نشأتها، إلى محو اسم "السيّدة" من اسمها فتسمّت بـ "جامعة البلمند" بدلاً من "جامعة سيّدة البلمند". كذلك صرفت جامعة البلمند النّظر عن بناء كنيسة أرثوذكسيّة داخل حرمها كانت في مخطّطها الأساسيّ، ربّما بحجّة أن كنيسة سيّدة دير البلمند على بُعد مائتي متر من وسط الجامعة. هل السّبب هو أنّه لا حاجة ماديّة لوجود كنيسة داخل حرم الجامعة، أم السّبب هو تكريس الطّابع الدّهريّ العلمانيّ للجامعة؟ البادي أنّ السّبب الثّاني هو الأقرب إلى الواقع، وإلاّ ما معنى أن يُدرَج بناء كنيسة داخل الحرم بدءًا ثمّ يلغى؟ هل كان واضعو المخطّط الهندسيّ ناسين أنّ هناك كنيسة في دير البلمند، ثمّ تذكّر اللاّحقون أنّها موجودة؟ إلى ذلك، الجامعة، فيما يبدو، لا تسمح بأيّ اجتماع كنسيّ للشّبيبة الأرثوذكسيّة في نطاق حرمها. الجامعة، إذًا، تتّبع، في التّفاصيل، سياسة محوٍ للوجود الكنسيّ، حتّى الرّمزيّ، منه لتؤكّد أنّها ذات طابع علمانيّ غير طائفيّ. لذا بإمكاننا التّأكيد أنّ الجامعة ليست أداة علم إلهيّ وقداسة بحال، ولا هذا وارد، فيما يبدو، في أذهان المقامين عليها.
من جهة أخرى، لا أستطيع أن أقبل الفكر الّذي مؤدّاه أنّي إذا حافظت على هوّيتي الكنسيّة وجاهرت بها وتعاطيت الصّلاة واللقاء والكتابة في بيتي، أي في مؤسّسة يُفترض بها أن تكون كنسيّة، كجامعة البلمند، فإنّي أصير معوَّقًا عن الانفتاح على الطّوائف الأخرى والحوار معهم. هذا تصوّر غير صحيح وغير مقبول. العكس، في الحقيقة، هو الصّحيح! أنطلق في عملي الأهليّ والعلميّ من كوني أرثوذكسيًّا، بالفعل لا بالقول. لذا، إذا ما كنّا لنسلِّم بأهمية وجود جامعة في الكنيسة فإنّ على هذه الجامعة، في تركيبها وأجهزتها وتكوينها وبرامجها، أن تتركّز مساهمتها، أوّلاً، وقبل كلّ امتداد لها صوب فئات المجتمع الأخرى، في العمل على زيادة ربط أبناء الكنيسة الأرثوذكسيّة بتاريخهم وثقافتهم وآبائهم وتراثهم المعروف والمطمور، في جوّ من الالتزام بالفكر الأرثوذكسيّ الحيّ والوجدان الكنسيّ الرّوحيّ. ومتى صار هذا منطلَقي، صار انفتاحي على الآخرين وحواري معهم روحيًّا، من طبيعة انتمائيّ الكنسيّ، لا نفسانيًّا فكريًّا، أوّلاً شهادة لمسيح الرّبّ، وثانيًا في مستوى المحبّة المسيحيّة الأصيلة وخدمة الآخرين. أمّا إذا سعيت إلى الإغضاء عن وجداني ورؤيتي الكنسيَّين واستعضت عنهما بهوّية أرثوذكسيّة اسميّة طائفيّة وانكببت على علوم وآداب لا فائدة كنسيّة منها وعلى حوارات فكريّة لا مضمون روحيًّا لها، فإنّي، إذ ذاك، أكون قد ساهمت في دهرنة الكنيسة وضربها، واعيًا أو غير واع، بدل أن أساهم في الكرازة بإنجيل الخلاص والإذاعة بملكوت السّموات والحياة الأخيريّة والشّهادة لمسيح الرّبّ.
في موضوع الدّهرنة لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الكثير من الكنائس الأرثوذكسيّة، هنا وثمّة، يتعرّض لضغط الدّهرنة وخطرها. الدّهرنة، بالمناسبة، غير الحداثة. الدّهرنة تضرب الاهتمام بالقداسة، في الصّميم، كمسعى ونعمة، فيما الحداثة تؤكّد القداسة كممارسة، لكنّها تعبّر عنها بلغة العصر. الحداثة الواعية لا تضيرنا، فيما الدّهرنة تتهدّدنا بالفساد من الدّاخل!
ثمّ من حقّي وحقّ كلّ أرثوذكسيّ أنطاكيّ أن يسائل ضمير القيّمين على جامعة البلمند: "هل تهمّهم الكنيسة حقًّا، أقلّه بالتّمنّي؟" ما نراه وما نسمعه يبعث في نفوسنا الشّكّ عميقًا في ذلك أكثر ممّا يبعث فيها اليقين! حتّى معهد البلمند اللاّهوتيّ يتحوّل، عمليًّا، إلى كلّيّة لاهوت، من الرّوحيّة الدّهريّة للجامعة، ولو اهتمّ بتنشئة كهنة للكنيسة، لأنّ همّ القداسة فيه تعتوره اللامبالاة، فيما البحث في الموضوعات الكنسيّة، في إطار دماغيّ علميّ نظريّ أو شبه علميّ، يطغى فيه على نحو جدّيّ متزايد! هنا الخطر على الكنيسة أكبر بكثير من خطر بقية الجامعة لأنّ انتشار الاستهانة بالتّراث الحيّ وتركيز الوجدان الكنسيّ، بين المؤمنين، أوسع نطاقًا من سائر الجامعة من حيث أنّه يطال العامة في الكنيسة من خلال الرّعاة!
لعمري، إنّ شعوري – وليسامحني مَن أجرحه بصراحتي ولكن للمنفعة – هو أنّ جامعة البلمند مؤسّسة غريبة، في روحيّتها، عن روح الكنيسة في الكنيسة! أي روح تخلق وستخلق بين أبناء الطّائفة الأرثوذكسيّة، بمرور الزّمن، والأكثرون يحسبونها أرثوذكسيّة الانتماء، وأيّ تأثير سيكون لها على كنيسة أنطاكية الأرثوذكسيّة حاضرًا ومستقبلاً؟! هذا أمر يبدو ضبابيًّا ومقلقًا إلى حدّ بعيد! سؤالي الأخير هو: لِمَ زُرعت جامعة علمانيّة بأموال هائلة، ليس همّها تثقيف الشّعب الأرثوذكسيّ كنسيًّا للقداسة، في وسط كنيسة فقيرة نسبيًّا، خمسة وتسعون بالمائة من شعبها جاهل كنسيًّا وهي بحاجة إلى إعادة تبشير؟؟؟
الجواب قد لا يريح أبدًا، لكنّي أتركه لتأمّل المؤمنين وصلاتهم! باسم الكنيسة يُشاد في الكنيسة صرح غير كنسيّ بهذه الضّخامة! يا للمفارقة!!! لعلّ المسؤولين في الكنيسة يأملون بتغيير مستقبليّ في الاتّجاه الصّحيح! في كلّ حال، الواقع، في الوقت الحاضر، لا يدلّ على ذلك بل على العكس!
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما



