25 تموز 2010

القطيع الصّغير!

       "رؤساء الأمم يسودونهم والعظماء يتسلّطون عليهم. فلا يكون هكذا فيكم" (مت 20: 25 – 26).

       لا سلطة في الكنيسة كما في العالم سلطات. ليس هناك مَن هو فوق ومَن هم تحت. الكلّ، أفقيًّا، في مستوى واحد. مواقع المسؤولين وظيفيّة للخدمة، لبنيان جسد المسيح. "معلّمكم واحد المسيح وأنتم جميعًا إخوة" (مت 23: 8). والإخوة يطيع أحدهم الآخر، من حيث إنّهم يطيعون المسيح في بعضهم البعض. لا سيّد بيننا على الأرض، بمعنى التسلّط، ولا أب، لأنّ سيّدنا واحد في السّماء وأبانا كذلك. وإن دعونا أحدًا بيننا، أبًا أو سيّدًا أو معلّمًا، فليس سليمًا أن نفعل ذلك، في إطار ألقاب التّراتبيّة الكنسيّة بل في إطار التّمثّل بالله لئلاّ نوجد مفرغين الكلام من مضمونه فنصير من معدن هذا الدّهر وسلاطين هذا الدّهر فيما شاءنا مَن أبدعنا أن نصير من معدن روحه. لذا ندعو مَن ندعوه أبًا أو سيِّدًا أو معلّمًا من باب حسبانه سالكًا كأيقونةٍ حيّة للآب أو السّيّد أو المعلّم.

       صورة الآب هي المتمثّلة في مَثَل الابن الشّاطر. تركه أبوه يذهب بغصّة ولكنْ بصمت. أعطاه نصيبه من الميراث ولم يكن له حقّ فيه. انتظره. ولمّا أدّبته خطيئته وندم وعاد إليه، قَبِله فرحًا ولم يعيِّره وألبسه الحلّة الأولى وجعل خاتمًا في يده وحذاء في رجليه وذبح له العجل المسمّن لأنّ ابنه كان ميتًا فعاش وكان ضالاً فوُجد. تركه يذهب لأنّه ولدَه على صورته، أبدعه حرًّا. حيثما كان الحبّ سيّدًا كانت الحرّيّة. للحبّ خُلقنا ولكن لا نأتي إلى الحبّ إلاّ إذا "عانينا" الحرّيّة! الحرّيّة أكبر المعاناة على الأرض لأنّ فيك ميلاً إلى الضّلال فتقتادك الحرّيّة، من حيث لا تعي، إلى بلاد بعيدة! لكن الضّلال هو يؤدّبك ويعود بك، بالنّضج، إلى الصّحو فتعود إلى نفسك، ومن ثمّ إلى ربّك، بالحرّيّة الّتي لك بالخِلقة، بعدما تكون قد أضنتك المعاناة، لكنّها حصّنتك وجعلتك على مناعة بالمرّ الّذي ذُقتَه، كيانيًّا، والجراح الّتي كابدتها، وأمّنتْ عليك، في نهاية المطاف، من السّقوط في الضّلال من جديد، لتجعلك، بكلّ جوارحك، مفتوحًا على محبّة أبيك بلا شائبة، كالطّفل الجائع، يلتهم الأُكُل التهامًا. على هذا المثال، يتعاطى الآباء على الأرض الأبوّة حيال مَن أُعطوا لهم ليعينوهم على التّمرّس، أبناءً لله، في الحرّيّة، الّتي من أبيهم السّماويّ، وإلاّ كانت أبوّتهم إسميّة شكليّة!

       أمّا صورة السّيّد فصورة العبد الخادم لأنّ السّيّد الرّبّ يسوع المسيح هكذا سلك. "لم يأتِ ابن الإنسان ليُخدَم بل ليَخدُم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين" (مت 20: 28). هذه صورة الأوّل في المسيح بيننا: باذلاً نفسه ليمدّ، بجسده، فدية الرّبّ يسوع إلى كثيرين. لا يستخدم السّيّد، مَن كان على صورة السّيّد حقًّا، على الأرض، أحدًا باسم الرّبّ بل يستخدم نفسه إليه حتّى تكون لأحبّة الرّبّ الإله به حياة وتكون لهم أوفر. جسدُ أتعابه وجسد السّيّد يصيران واحدًا، يلتحمان بالوضع، فيطعم الأب أبناءه ذاته، حبًّا وأعراقًا، ليكون لهم وإيّاه خلاصٌ بإلههم!

       أمّا صورة المعلّم فصورة المقيمِ في الحقّ، المقدّسِ نفسَه بحفظ الوصيّة للحقّ، الملتمسِ وجهَ ربّه في كلّ حين، المردِّدِ في شأن الموكَلين إليه، خرافًا، وإيّاه راعيًا لهم، ما ردّده السّيّد لأبيه السّماويّ في المناجاة الكهنوتيّة: "قدّسهم في حقّك. كلامك هو حقّ... لأجلهم أُقدِّس أنا ذاتي ليكونوا هم أيضًا مقدَّسين في الحقّ" (يو 17: 17، 19). هكذا المعلّم يعلِّم ويفرح بالحقّ، أتى منه أو من سواه لا فرق، لأنّ قِبلته يسوع الحقّ لا ذاته، عالمًا أنّ المعلّم واحد والحقَّ يأتيه الرّوحُ أيَّ لسان ودم شاء. كلّ منا متعلِّم من فوق وأحدنا من الآخر وإلاّ جعل ذاته محتكِرًا الحقَّ دون ربّه وخَنَق حقّ إلهه فيه وفي غيره. المعلّم الحقّ، على الأرض، يأخذ مصباحه، كديوجين، ويخرج باحثًا في الزّوايا المخفيّة عن نور الحقّ، لا سيّما في المحتقَرين لأنّ الحجر الّذي رذله البنّاؤون، هذا جعله الرّبّ رأس الزّاوية. فإن أغضى المعلّم، على الأرض، عن أحد هؤلاء الصّغار أو أخرسه واستكبر فليعلم أنّ الحقّ لا يُشمَخ عليه وأنّه "إن سكت هؤلاء فالحجارة تصرخ" (لو 19: 40)، لأنّ كلمة العليّ لا ترجع إليه فارغة!

       ويل لمَن يتعظّم في قلبه على سلطة الحقّ أو لأنّه في موقع هذه السّلطة! ويل لمَن يقول سوءًا بمَن حملوا كلمة الحقّ أو يُذِلّ النّاس بالسّلطة الّتي أعطاه ربّه إيّاها للحياة لأنّ اسم الله يُجَدَّف عليه بسببه! كان خيرًا لذلك الإنسان لو لم يولد! حتّى الهراطقة لا نقطعهم إلاّ حبًّا بهم وبالنّاس! أوّلاً لنردّهم إلى صوابهم من ربقة الشّيطان بالقطع، وثانيًا لنحفظ النّاس من أذى ما ينشرونه بين النّاس من أوبئة روحيّة وهم لا يعلمون ما يفعلون! لكنّنا، في هذا وذاك، نبكيهم ونصلّي لأجلهم لأنّ ملائكة السّماء شيمتها الفرح بخاطئ واحد يتوب أكثر من تسعة وتسعين لا يحتاجون إلى توبة! التّأديب بالرّحمة لا بالقسوة كائنٌ في كلّ حال! "ليؤدّبني الصّدّيق برحمة ويوبّخني..."! ويل لمَن تستحيل نعمة الله بين يديه سلطةً أو ادّعاء يدمّر به النّفوس ويمرمر النّاس وينتقم ويثلب ويشتِّت ويهدِّد الآخرين في سلامهم وخلاصهم ولقمة عيشهم! هذا عشير ضدّ المسيح يكون! لا هَمّ ما تقولون وما تدّعون! إيّاكم وتجارة الكلام لئلاّ تحترقوا! الكلمة صار جسدًا وحلّ بيننا! لا تُفرغوا الكلام الإلهيّ من قوّة الله ولا تستعملوه جزافًا كإبليس في يوم التّجربة! "ليجرِ الحقّ كالمياه والبرّ كنهر دائم" (عا 5: 24)!

       بعدما مات الرّبّ يسوع على الصّليب، لم تعد ثمّة سلطة إلاّ سلطة الحبّ والحقّ. خراف المسيح، وإن ماتوا، ولا بدّ لهم أن يُذبَحوا، رعاة وقطعانًا، يفجِّرون نعمة الله أنهارَ بركةٍ ليشرب الظّامئون إلى وجه ربّهم وحنانه. أمّا السّاعون إلى خنق صوت الحقّ وتشويهه وإطفاء الرّوح، المكتفون بذواتهم، العابدون أنفسَهم، العابثون بالإلهيّات فلا قيمة لما يدّعونه أو يتجلببون به ويُلقَّبون. ليس أضعف من شاهر سّيف الباطل في وجه الأعزل! في الزّمن الأوّل قطّع الطّغاةُ الصّغارَ تقطيعًا فأعاد الصّغارُ تكوين العالم بتنقيته بدمهم المهراق من جنب السّيّد، الجاري في عروقهم. الكلمة تبقى هي الأقوى والغلاّبة متى ثبتنا في البرّ! "أنا سلكتُ في جرأة لأنّي توخّيت وصاياك" (مز 118: 45)! هيرودوس الملك زال وكذا بيلاطس البنطيّ ورؤساء كهنة اليهود والفرّيسيّون، وزَرْع جديدٌ نبت: الرّاعي الصّالح والقطيعُ الصّغير! فإلى راعي القطيع الصّغير نتشوّف، وإليه دعوانا وبه وحده ثبات كلمة الحقّ! "السّماء والأرض تزولان وكلامي لا يزول"!

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما