1 آب 2010

الشّهادة!

       المؤمن شاهد. والشّاهد والشّهيد معناهما واحد. "أنتم شهوديّ يقول الرّبّ" (إش 43: 10). مَن ليس بشاهد ليس بمؤمن! الكنيسة كنيسة شهداء ولا مكان فيها لغير الشّهداء!

       هناك ثلاثة أنواع من الشّهود، بهم يتحدّد معنى الشّهادة:

       1- شاهد بالدّم.

       2- شاهد بحفظ الوصيّة.

       3- شاهد بكلمة الحقّ.

       الشّاهد بالدّم هو مَن عرف الرّبّ يسوع في قلبه، مَن حلّ فيه بمعنى، واعترف به أمام مناهضيه، إلهًا ومخلّصًا، وتمسّك باعترافه حتّى بذْلِ دمِه ثمنًا. هذا ينتمي إلى تلك الفئة من النّاس الّتي قال عنها السّيّد: "كلّ مَن اعترف بي قدّام النّاس يعترف به ابن الإنسان قدّام ملائكة الله" (لو 12: 8). كما ينطبق عليه قول الرّسول المصطفى: "إن اعترفت بفمك بالرّبّ يسوع وآمنت بقلبك أنّ الله أقامه من الأموات خَلَصت" (رو 10: 9). الشّاهد بالدّم قد يكون بُشِّر بإنجيل الخلاص وسَلك في الوصيّة ردحًا من الزّمن، قبل قضائه شهيدًا، وقد لا يكون. الشّاهد بالدّم قد يكون ابن ساعته. كم من جنديّ وجلاّد ووالٍ وُجدوا محارِبين لله، ومأمورين لثني المؤمنين عن إيمانهم، ومن ثمّ سَحْقِهم إن أصرّوا، ثمّ، فجأة، تزلزل كيانُهم إثر معاينة المؤمنين ثابتين في اعترافهم على وداعةٍ وفي سلام غير مألوف بشريًّا، فاخترقتهم النّعمة الإلهيّة، وكان من نتيجة ذلك أن اعترفوا، للوقت، بيسوع ربًّا وجرى الفتكُ بهم فأُحصوا في عداد القدّيسين. هؤلاء ليست معموديّة الماء هي الّتي قدّمتهم إلى ربّهم بل معموديّة الدّم إثر اعترافهم بالقدّوس!

       وفي فئة شهداء الدّم يمكن إدراج المعترِفين، أيّ الّذين شهدوا بآلامهم. هؤلاء كانوا مستعدّين للموت من أجل يسوع، لكنْ شاء تدبير الله أن يقفوا، في ما عانوه، عند حدود بتر الأعضاء أو التّشويه الجسديّ أو الألم أو النّفي أو ما شاكل. هؤلاء كانوا شهداءَ دمٍ بالنّيّة وشهداءَ معاناة، في النّفس والجسد، بالوضع.

       أمّا الشّاهد بحفظ الوصيّة فهو الّذي، على قولة القدّيس بولس، يقمع جسده ويستعبده (1 كو 9: 27)، بالنّسك، حفظًا لوصيّة يسوع من حيث إنّ مَن عنده وصاياه ويحفظها فهو الّذي يحبّه، والّذي يحبّه يحبّه الآب السّماويّ ويسوع يحبّه ويُظهر له ذاته (يو 14: 21). بحفظ الوصيّة يُفترض أن يحيا عامة المؤمنين، بلا استثناء، حين لا يقع عليهم اضطهادٌ من الخارج. الاضطهاد، في هذه الحال، يبقى، لكنّه يكون داخليًّا، في المؤمن نفسه. تجاربنا تحاربنا، أهواؤنا تحاربنا، خطايانا تحاربنا... وهذه كلّها فينا عملاءُ للشّيطان الّذي يقاومنا في نفوسنا وأجسادنا ليفسدنا ويحطّمنا. قد يستعين عدوّ الخير بمثيرات من خارجنا ليحرّك ما فينا منه، أو قد يحرّك الذّكريات والأحاسيس والأحلام والخيالات فينا بالهجمة المباشرة، بالإيحاء. بهذه الأدوات، بالنّاس أو بوسائل الإعلام أو بمخزون الأهواء فينا، أو بها مجتمعة، يضطهدنا، واضطهادُه لنا قد يأتي صعبًا وقاسيًا وعنيفًا جدًّا لأنّه يحاربنا بلحمنا ودمنا ونفوسنا وأحاسيسنا وخيالنا ومنطقنا. المواجهة، هنا، ليست أقلّ ضراوة من مواجهة مَن يأتوننا من الخارج ليهدّدونا بالتّعذيب والموت إن اعترفنا بيسوع وثبتنا في الاعتراف به. بالعكس أقسى! المواجهة المعنويّة قد تكون أكثر إيلامًا، لا سيّما إذا كانت أجواؤنا الخارجيّة والدّاخليّة عاصفة كما، ربّما، هي حالها اليوم. والشّاهد، ليسلك في الوصيّة الإلهيّة، بأمانة، يحتاج إلى عنف داخليّ قد يكون ضاريًا، أحيانًا، وإلى عرقٍٍ وتعبٍ وسهرٍ متواتر، يجعله شهيدًا كلّ يوم. الشّاهد بالدّم شهيد قد يموت مرّة واحدة من أجل يسوع، أمّا الشّاهد بحفظ الوصيّة فشهيد بشهادة مستمرّة حتّى خروجه من العالم. إنّه الحامل في جسده سمات الرّبّ يسوع (غلا 6: 17)، القائل، على صعيده الخاص، مع الرّسول بولس، إنّي "أموت كلّ يوم" (1 كور 15: 31).

       أمّا الشّاهد بكلمة الحقّ، وما نقصد به هنا، فلا يعاني، بالضّرورة، اضطهادًا، من أعداء الإيمان بيسوع، خارج الكنيسة، مع أنّ الشّاهد بالدّم، في هذه الحال الأخيرة، يشهد للحقّ الإلهيّ، هو أيضًا، بإزاء مضطهِديه الرّافضين ليسوع. كذلك لا يعاني الشّاهد بكلمة الحقّ، هنا، بالضّرورة، اضطهادًا من أهوائه الخاصّة، بل اضطهادًا من داخل كنيسته، من المحسوبين على الإيمان، إخوةً له، ولكنْ مزيّفين، لأنّه يتمسّك، دونهم، بكلمة حقّ الإنجيل. في شأن هؤلاء كانت وصيّة القدّيس بولس إلى قسوس الكنيسة في أفسس هي هذه: "احترزوا لأنفسكم ولجميع الرّعيّة الّتي أقامكم الرّوح القدس فيها أساقفة لترعَوا كنيسة الله الّتي اقتناها بدمه. لأنّي أعلم أنّه بعد ذهابي سيدخل بينكم ذئاب خاطفة لا تُشفق على الرّعيّة. ومنكم أنتم سيقوم رجال يتكلّمون بأمور ملتوية ليجتذبوا التّلاميذ وراءهم..." (أع 20: 28 – 30). بعض الشّاهدين بكلمة الحقّ، في الكنيسة، يموت شاهد دم، على صورة يسوع الّذي قتله أهل بيته. كم من شهيد دم قتله الهراطقة أو أشباههم في الكنيسة، عندنا، أو قتله الأباطرة والولاة الّذين كانوا محسوبين مسيحيّين بيننا! غير أنّ البعض الآخر من الشّاهدين بكلمة الحقّ، في الكنيسة، لا يتعرّض، بالضّرورة، للأذى الجسديّ، بل لضغوط نفسيّة ومعنويّة كبيرة، ومع ذلك يتمسّك باستقامة الرّأي، لأنّه يحبّ الحقّ أكثر من نفسه. مثل هؤلاء آباء المجامع المسكونيّة السّبعة الّذين تمسّكوا بحقّ الإنجيل واستقامة الرّأي بأمانة وغيرة إلهيّة فذّة رغم ما عانوه حتّى تكلّم فيهم روح الله وكَشَف الحقّ ودَحَض الباطل وحطّ الغثّ وأعلى الثّمين. الكثير من آباء المجامع المسكونيّة لا نعرف عنهم شيئًا من جهة السّيرة، لكنّنا نعرف أنّهم أَضحوا فمًا لروح الرّبّ ونطقوا بالحقّ فأُحصُوا في عداد قدّيسيّ الله.

       في كلّ جيل، واليوم، على وجه أخصّ، يذكر المرء قول الرّسول بولس إلى تلميذه تيموثاوس: "سيكون وقت لا يحتملون فيه التّعليم الصّحيح بل حسب شهواتهم الخاصّة يجمعون لهم معلّمين مستحكّة مسامعهم فيصرفون مسامعهم عن الحقّ وينحرفون إلى الخرافات. وأمّا أنت فاصحُ في كلّ شيء. احتمل المشقّات. اعمل عمل المبشّر. تمّم خدمتك" (2 تيم 4: 3 – 5).

       إنّ قول كلمة الحقّ، اليوم، في الكنيسة، عمل شهاديّ بكلّ معنى الكلمة لأنّ أجواء أهل البيت أجواء اضطهاد معنويّ ليس بقليل. إن قلتَ الحقّ، اليوم، تُرذَل وتُحتقَر! يقولون عنك إنّك أصوليّ، بالمعنى البشع المشيَّع، اليوم، للكلمة، أنّك متحجّر الفكر، متمسّك بالشّكل، رجعيّ في التّعبير! يطالونك بلقمة عيشك أو في موقعك وخدمتك! يضغطونك لتخرس! إذ ذاك يعرِّضونك لتجربة أن تصير باطنيًّا! فتتكلّم، في أوساطك الخاصّة، بما تخشى أن تجاهر به خوفًا على حاضرك أو عائلتك أو مستقبلك! الجوّ الدّاخليّ في الكنيسة مشبع بالظواهريّة ومحاباة الوجوه والإرهاب الفكريّ، والكثرة لا تبالي! لا شيء إلاّ يثنيك عن المجاهرة بحقّ ربّك! السّيرة، بعامة، الرّياء وإخفاء الحقيقة، أو تمويهها. هذه أمست، في الاعتبار، رعاية حسنة! المديح والخنوع، في المنظور العام، حكمة! محاباة الوجوه تُعتبر ضربًا من العلاقات "المحبّيّةّ"! وإذا أصررت على التمسّك بقول كلمة الحقّ فأنت وقح ولا توقِّر المقامات ومدّعٍ! إذا قلت عن أحد إنّه تفوّه أو تصرّف بما لا يجيزه التّراث والقانون الكنسيّ، فأنت معثر للقوم وتهوى هتك كرامات النّاس لتستبين! المطلوب، اليوم، لِتَسلمَ، أن تكون أصمّ أبكم! الطّاعة، في قاموس اليوم، هي الخضوع لمَن هم أرفع منك مقامًا، خضوعًا عسكريًّا! الكلام على كنيسة الشّورى كلام أضحى، عمليًّا، في الهواء! استقامة الرّأي، قولاً، باتت بحكم المصادرة من قِبَل ذوي الشّأن! أنت في كنيسة تتحكّم بها، بالأحرى، الأهواء، أمّا كنيسة الرّوح القدس فعرضة للقمع والتّغييب بصورة دائمة، خفيّة ومعلَنة! التّراث، في نظر الكثرة، أضحى مسألة كلاميّة، ولا أسهل، اليوم، من استبدالها بمسألة كلاميّة أخرى! لم يعد التّراثُ عملَ الرّوح القدس في الكنيسة، والكلامُ، في شأنه، ليس، في المنظور الرّاهن، نقلاً لما يكشفه الرّوح بل مجرّد تعابير بشريّة استنسابيّة قابلة لأن تُستبدل بتعابير أخرى مُحدَثة يبتدعها الدّارسون والعلماء من بنات عقولهم وتأمّلاتهم! لم يعد اللاهوتيّون هم الممتلئين من روح الله بل المفكِّرون صاروا هم اللاهوتيّين! هؤلاء باتوا القيّمين على فكر الكنيسة! الفكر النّابع من روح الرّبّ استعاضوا عنه بالفكر النّابع من الدّماغ! لذا كلّ أمر في التّراث بات سهلاً الاستخفاف به واستبداله بما يراه أساتذة اللاّهوت مناسبًا لفئات فكرهم ومُحدَثًا! على هذا بات الواقع، في الكنيسة، يترجّح بين أهواء القيّمين على الكنيسة وأفكار الدّارسين! في هذا الغيض من العبث البشريّ تبحث عن وجه السّيّد وروح الله وحقّ السّيّد، فلا تلقاه إلاّ في الوجوه النّيِّرة للقلّة! الأكثرون ماعوا واقتبلوا التّشويه الفكريّ والرّوحيّ باسم التجديد والحداثة، أو باتوا في وضع فقدان الحسّ أو اعتادوا من القبور الصّمت "حيث لا خطر فيه".

       أين الشّهادة اليوم؟ لا شكّ أنّ ثمّة سبعة آلاف لم يحنوا ركبة لبعل! أين هم؟ الله عارفهم! الله يعمل؟ طبعًا يعمل رغم كلّ شيء! العلامة أنّنا ما زلنا مستمرّين! لكن الكنيسة الشّاهدة تُفتقد، اليوم، بتواتر. وحيثما خبت شهادة الحقّ وماعت شهادة النّسك، فكيف للنّهضة أن تكون وتستمرّ؟ لا شكّ أنّ شهادة الدّم تمسي ضرورة لأنّ الرّبّ الإله لا يشاء للكنيسة أن تموت! شهادة النّسك رهنة بنا، إلى حدّ ما، وكذلك شهادة كلمة الحقّ، أمّا شهادة الدّم فالله يفرضها متى دعت الحاجة إليها! ولعلّنا، اليوم، أقرب إليها ممّا نتصّور، لأنّ إرادة الله خلاصُنا! آخر الدّواء الكيّ! ما لا نشاء أن نفعله بإرادتنا، يأتيه الرّبّ الإله رغمًا عنّا، لا عقابًا لنا، بل حبًّا بنا! "فمَن له أذنان للسّمع فليسمع".

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما