22 آب 2010

إبراهيم!

       إبراهيم، أو أفرام بالرّوسيّة، طفل في الخامسة والنّصف من العمر، رقد منذ أيّام قليلة، في روسيّا، إثر موجة الحرّ الّتي اجتاحت البلاد، وقد كان على ضعف في الرّئتَين منذ مولده. أمّه روسيّة وأبوه أخونا وحبيبنا اسكندر جحى. ليكن ذكره مؤبّدًا.

       موت الأطفال جارح موجع لا يدانيه، بين النّاس، جرح ووجع. أن ينقصف مَن اشتدّ عُودُه أمرٌ تتوقّعه أكثر، وإن كنت تهتزّ له وتألم، ولكنْ أن ينقصف طريّ العود أمر تفاجَأ به أكثر ويدمى له قلبُك من الأعماق. تحسب الطّفولة تسير بالأطفال، بصورة تلقائيّة، إلى النّضج، فإن خطفَتها الظّروف في عجالة انصدمتَ لأنّك تجد نفسك بإزاء مشروع حياة خصبة ارتحل، وهذا على اللّحم والدّم قاس ولا أقسى!

       تسأل: لماذا يموت الأطفال؟ هذا سؤال طرحه أنطونيوس الكبير على ربّه وما كان له جواب. لم يَردّ عليه ربُّه بمثل سؤاله، لا بالضّرورة لأنّه لا يشاء أن يجيب – بل الله مجيبٌ بكلّ ما ينفع – ولكنْ، ربّما، لأنّ سؤال أنطونيوس كان مِن ضَعْف. لعلّه ردّد ما تعانيه البشريّة من ألم في هذا الشّأن. وما تطرحه البشريّة، في مستوى اللّحم والدّم، لا يجيب عنه الرّبّ الإله لأنّه، بالمعيار الإلهيّ، لا يجدي. جواب الله، والحال هذه، مُعثِراً يكون ولا يبني. متى كان الإنسان غير قادر على أن يقبل جوابًا ما فالأجدى أن تبقى الحقيقة في مدار الصّمت. لا يجيب الله إلاّ بما يبني مَن كان له أذنان للسّمع. لا جواب لمجرّد الجواب! ليس الله بآلة تجيب عن كلّ ما يخطر ببال النّاس من أسئلة!

       لِمَ، إذًا، يموت الأطفال؟ لأنّ الموت، للأطفال، هو الحدث الأكمل الّذي به يستقرّون في حضن الله. ليس الغرض من الولادة أن يحيا الإنسان لهذا العالم، في ذاته، بل لله في هذا العالم. والموت، في هذا المسار، هو أن يبلغ الإنسان ملء الحياة لله. ثمّ لِمَ يموت، في هذا المنظور، وبإمكانه أن يحيا لله هنا؟ لأنّ التّجربة تبقى قائمة، ما دام الإنسان على قيد الحياة، أن يحيا لنفسه لا لله. هذا يجعله يخسر نفسه والله. إذًا يولد الإنسان لله ويموت لله. "إن عشنا وإن متنا فللرّبّ نحن". لا يولد أحد لنفسه ولا لذويه ولا لمجتمعه. هنا يوجد في عبور! يبني حضارات وثقافات، هنا وثمّة، وهو في الارتحال! لا يتوقّف. قد يُخطَف في أيّ لحظة كان! يسير إلى وجه الله بتواتر. وما يخلّفه إمّا تفوح منه رائحة عبادة الإنسان لنفسه أطلالاً، أو تفوح منه عبادة الإنسان لله قداسة، وروحًا في الفعل. "ليست لنا ههنا مدينة باقية بل نطلب الآتية". الرّحلة ليست من مصر إلى أورشليم الجغرافيّة، بل من أورشليم الأرضيّة إلى أورشليم السّمويّة، من تحت إلى فوق. ما هو ههنا متغيِّر، متقلِّب، سائر إلى زوال. الثّابت هناك! لمَن استوطنتْ نفسُه ووجدانه هنا، ما هو هناك أفكارٌ وظلال، ولمَن تشوّفت نفسُه إلى ما هناك، الظّلال هنا والحياة الأبديّة هناك! هنا نذوق ما هو هناك، يُعطَى لنا الآتي كعربون، فيما هناك نتملأ، كيانيًّا، من النّور، ونسمو، فيه، من ملء إلى ملء!

       إذًا، يموت الأطفال، في العمق، لأنّ الله يحبّهم! الأهل ينجرِحون والعالم كلّه ينثلم أسًى لأنّ الّذين لا يتفقّهون بلحمِهم والدّمِ يُعطَون أن يتفقّهوا بموت صغارهم. موت الصّغار، إذًا، هو إلى الارتحال إلى وجه ربّهم. هذا المبتغى في كلّ حال. أمّا لذويهم فإلى ألم كيانيّ يُفرِعُ توبة تكثِّف الحضرة الإلهيّة فيهم وتقوِّم مَسارَهم من عالم الظّلال والأوهام، الّذي ارتضوه لذواتهم، إلى عالم الحقيقة والواقع إلى الدّهر.

       أمّا لماذا يموت الصّغار بعضًا ويحيا البعض الآخر، فقد يكون الأولاد، في المدى، هم السّبب إذ يقطع الله الآتي، وهو العارف بالمستقبلات، حبًّا وصونًا للنّفوس الصّغيرة من أوجاع الخطيئة المتوقّعة، لو قدِّر للصّغير أن يبقى على قيد الحياة! يقطع الرّبّ الإله الوجع الأكبر، وجع الهلاك، بالوجع الأصغر، وجع الموت على الأرض! إذًا الموت المبكر يمكن أن يكون بغرض العفّ عن إفساد النّفس! الموت، في هذا السّياق، فعل محبّة إلهيّة وليس تخلّيًا، وإن حسبه العاشقون لذواتهم، ومَن لهم، كذلك.

       أمّا للأهل، فموت الأطفال قد يكون ترسيخًا للعباد في الزّهد والصّبر والاتّضاع والنّسك والصّلاة، وتأديبًا. وقد يكون صدمة توبة أو استعادةً لمسار إلهيّ استخفّ به الآباء أو عاندوا دونه، وشاءوا، لأنفسهم، مضرّةً غير ما شاءه لهم ربّهم نفعًا! إصبع الله في كلّ حدث! ومَن لا يقرأ كتاب الحياة بأبجديّة الله يبقى أمّيًّا! ثمّة معرفة من تراب، هذه لا تنفع شيئًا! المعرفة الأصيلة هي الآتية بالرّوح! لا تدعوا لكم معلّمًا على الأرض لأنّ معلّمكم واحد في السّماء!

       إذًا، يتروّض المرء على فكر الله، روحًا، على الأرض، فتستحيل الآلام لديه أقنية فرح تمتدّ إلى حياة أبديّة، أو يتربّى على عشق الذّات مسرًى فيموت الفرح في كبده وتحلّ المتع محلّه أقنية موت، ثمّ ينتهي به المطاف إلى مستقرّ الخنازير! فإن لم يخرج من البلاد البعيدة سريعًا التماسَ التّوبة: "أخطأت إلى السّماء وأمامك... اجعلني كأحد أجرائك..." فإنّه يموت في خطيئته ويُلقي بنفسه، بما يأتيه، في الظّلمة البرّانيّة!

       إبراهيم خرج من أرضه إلى الأرض الّذي شاء الرّبّ الإله أن يريه. أفرام حلّ في أورشليم السّمويّة سريعًا، فالمجد لله على ما أتاه، والتّعزية لذويه، إن زهدوا وشكروا وتابوا، حتّى يبقى الكلّ من الله وإليه، أو كما كُتب على البطاقة الّتي وُزِّعت إثر خدمة الجنّاز لراحة نفسه: "الرّبّ أعطى والرّبّ أخذ فليكن اسم الرّبّ مبارَكًا"! تمجّد الله!

بمحبّة الرّبّ
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما