سؤال وجواب الأحد 3 كانون الثاني 2010

     جاء في كتاب "السلّم إلى الله" للقدّيس يوحنا السلّمي المقالة الخامسة عشرة الفقرة 47 :"إن الجانحين إلى اللذة كثيراُ ما يظهرون شفوقين رحومين وسريعي الدمعة في حين أن الدائبين على العفة لا يقتنون هذه المحامد على هذا الوجه" هل يمكنكم شرح هذا القول، فأنا من الأشخاص الذين ينتمون إلى الشق الأول أي الكثيرين، فما العمل لكي نتخلّص من هذه الأفكار أو من هذه اللذة؟ ...(جيزيل ط.)

 

     جبل الله الإنسان من تراب الأرض نافخاً فيه روحه القدّوس!!! هكذا نجد النخبة القليلة النادرة تسعى بروح الرب الساكن فيها إلى اقتناء ما يعلّمه الذين سبقونا إلى اقتنائه من فضائل.

يعزو القدّيس يوحنا السلّمي في كتابه "السلّم إلى الله" درجات الإرتقاء إلى اللاّهوى مجنّحاً بخبرة الرهبان وما علّموه إياه في سعيهم الدؤوب إلى كيفية اقتناء النّعم الإلهية والمحامد.

الجميع مدعوّون لكن قليلون يسعون ببذل دمائهم وأعراقهم لإقتناء النعمة المتنزّلة من أبي الأنوار والعيش فيها.

"القلب نجيس من يعرفه"؟!...والنفس بعد سقوطها بالغاء نعمة الروح القدس منها، بنقض وصية الإله لها وعصيانها بعدم الطاعة تالياً بل بدءاً، بعدم الحب الكامل وبالإندراج في الوصية الإلهية والحب الإلهي والطاعة الكاملة، ماتت... كل نفس لا تطيع بالحب إلهها ميّتة... وفي ذلك الموت تجتمع عليها كل الآفات والأوساخ والرّذالات الظاهرة والمخفيّة... منها "العاطفية" التي هي المدخل إلى اقتناء اللّزاجة في السيرة بحبّ الذات و"العملانية" إلى الإنجازية في الأعمال للوصول بالنجاح إلى عشق الذات والدوران حول الأنا، تالياً عبادة صنم "الأنا". أي شخص الإنسان.

     لم يحدّد لنا الكتاب المقدّس في أناجيله الأربعة أية حادثة بكى فيها السيّد، إلاّ على لعازر صديقه فأقامه معلناً للملأ أن فيه يفنى الموت، لأن الحياة الحق التي هي الرب لا يبتلعها الفناء.

تحنّن على امرأة "ناين" فأقام ابنها من رقاد الموت! والسامرية أدّبها وشعبها بشفاء ابنتها... الأعمى والأبرص أطلقهما من عمي وبرص حياتهما...

     على الإنسان المسيحي الحق أن يمتدّ إلى الآخرين بحياته باذلاً نفسه بالكليّة لهم بصمت وامحاء حتى يحيا على صورة خالقهم بدون انفعالات أو عواطف أو دموع...فالدموع يبذلها العارفون بروح الرب القدّوس على خطاياهم فقط...وهذا يتطلّب تدريباً روحياً وصلاة وسجوداً وصوماً كل يوم من أيام حياة الإنسان – تلميذ المسيح – على الأرض.

هذا صعب يا "جيزيل"، لكنه المطلب والمشتهى لاقتناء النّقاوة في السيرة "الرهبانية" الحياتية، في المجتمع مع الناس ليبشرهم بأن المسيح قام من موت ونتانة السقوط الذي ابتدعه وأجراه الإنسان لذاته بعدم طاعته، وفي الأديار تالياً وفي النسك والصمت الداخلي لكل من عرف نتانة خطاياه ورحمات الرب في التجسّد لخلاصه.

     الجانحون إلى اللذة هم غالبية البشرية ... ولكن مع الصلاة اليوميّة، والخدمة وبذل الذات، للإنسان الآخر بدون انتظار أجرة، غالباً، إلاّ الاضطهادات والوحدة، تتكسّر كل كبرياء، فتصير الدمعة دمعة رجاء للرب حتى يخلّص الذي هلك. في الآخَر بدءاً ثم في الذات.

لذا صرخ الرسول بولس:"من يخلّصني من جسد الموت هذا؟!..."

كل ما يفعله الإنسان من برٍّ نابع من حب الذات وعشقها حتى يظهر نقياً في عين ربّه فيكافئه على "صلاحه" أو ليقول له الناس، "حسناً حسناً، أنت قدّيس على الأرض"، أو ليطوب هو ذاته...

لذا "الصمت" أو "الخفر" ودموع التوبة، و"الصبر" هي مبادئ الخلاص من حبّنا لذاتنا!!! و"البساطة" في التعامل مع الآخر و"حبّه كما هو" هما الطريق إلى النقاوة مع "قطع المشيئة" للوصول إلى اللاّهوى!.

هذا صعب لكنّه غير مستحيل بمعونة الرب للذين نذروا أنفسهم له...

 

الأم مريم