الحياة الرهبانية هي سعي لتطبيق الوصية الإلهية الأولى أن "تحبّ الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك... والثانية هي مثلها تحب قريبك كنفسك." (مت 37:22 – 39). والعلاقة بين هاتين الوصيّتين عبّر عنها الإنجيلي يوحنا إذ قال "المحبة هي من الله" (1 يو 4: 17). وأكمل أنّ "مَن يحبّ الله يحبّ أخاه أيضاً" (1 يو 4: 21). لا اختيار في المسيحيّة... أن نحبّ أو لا نحبّ؟! "نحن نحب الله لأنه هو أحبنا أولاً" (1 يو 19:4). لذا نشهد ونعترف ونقول أن المحبة هي عطية الله للإنسان مخلوقه، الذي أولده (خلقه) الله على صورته ومثاله. وإنّ المحبة هي عطية من الله فنحن الأبناء نكملها إذا أحببنا بعضنا بعضاً، كما هو أحبّنا... هذا هو برّ الله فينا، أما الخطيئة فهي العيش بخلاف المحبة. والسلوك في المحبة الإلهية (الإنجيلية) هو السلوك في الكمال. والرب أوصانا، (بل أمرنا) أن نكون نحن كاملين كما أبانا السماوي هو كامل. (مت 48:5).
لكن الإنسان ما زال منذ السقوط وحتى يومنا هذا يحيا في الخطيئة!!! والرسول يوحنا حدّد بل جزم، إن كانت المحبة من الله فالخطيئة من إبليس (1 يو 8:3). وهدف إبليس الأوّل والأخير هو انتزاع المحبة من قلوبنا وهذا عمله الذي نحقّقه نحن كل يوم وساعة، إن بالقول أو بالفعل أو بالفكر تجاه إخوتنا الذين نحيا معهم والذين لا نعرفهم... لذا نسلك في التّواني في الحبّ والتكاسل في الصّلاة التي هي درع الحبّ والعطاء وننغلب للكره والطّمع والحروب والقتل والسّرقة وافتعال الموبقات بالآخر... فكيف نُخرج إبليس أو بذرة الشرّ هذه من أنفسنا؟!... "بالصّوم والصّلاة" كما قال الرّسول مرقس. لذا الرّهبنة أو النّسك اللذان يحاربان منازع الإنسان إلى السّقوط أيضاً وأيضاً يشدّان الإنسان إلى الحياة الرّهبانيّة وإلى العيش في الصّوم والصّلاة اللذين يؤهّلان ويجدّدان طبيعة الإنسان وسعيه إلى المحبّة تاليًا، إلى الله، إلى الحياة الأبديّة مع أخيه الإنسان. الرّهبنة صعبة؟! لا، بل كلّ المسيحيّة صعبة، إن أسلمنا أنفسنا إلى أعمال الشّرّير والتزمنا العيش معه في أهواء قلوبنا... فالإنسان الذي يطلب الاستنارة يسعى إلى قطع أهوائه التي دلّنا عليها الآباء القدّيسون: ألا وهي ثمانية كما رتّبوها: الشّراهة، الزّنى، البخل، الغضب، الحزن، الكسل، العُجُب، والكبرياء... لذلك وبعد أن يحسّ الإنسان في كيانه، أنّه وبالمعرفة الخبريّة اكتشف آثار السّقوط فيه وعليه، يسعى إلى الابتعاد عن مسبّب ومثير ودافع كيانه إلى التغرّب عن الله، أي العيش في المجتمع الذي إذا غرق فيه يجرّه إلى الموت!!. يجرّه إلى الابتعاد الفعليّ عن ربّه وإلهه وخالقه ويرميه في أتّون الأنانيّة!!! لهذا التزمتْ الكنيسة تلقائيًا النهج الرّهبانيّ وأكّدت الحياة النّسكيّة الصّلاتيّة طريقًا للخلاص منذ بدء تاريخها على الأرض.
هكذا ينشدُ المؤمنون التّائقون إلى الله التزام حياة التّوحّد والرّهبنة والسّعي إليها ضمن العيش في الأديار... هناك تهدأ النّفس وتختلي بربّها بدءًا وبذاتها تاليًا... تنقّي أشواك وحجارة وحشرات بيدرها... تنقب أرضها وتبكي سعيها الذي لا ينجح دائمًا لإفراغ ذاتها من دنس النّفس والجسد لتقديم هذا الكيان وعاء للإله كي يأتي ويسكن فيه... "هلمّ واسكن فينا وطهّرنا من كلّ دنس وخلّص أيّها الصّالح نفوسنا"... هكذا يسعى الرّاهب كلّ يوم في عملية التّنقية هذه التي تتطلّب جهاداً وصمتاً واتّكالاً كاملاً على الرّبّ الإله وطاعة للمسؤول الرّوحيّ حتّى يدلّ تلك النّفس الساعية إلى الخلاص، إلى الينابيع التي لا عكَر فيها.
هذا كان وما يزال دَور الأديار والرّهبان في عيش الحياة المسيحيّة وهذا ما يشدّ النّاس الذين يسعون إلى الكمال الإنجيليّ أن يسعوا إلى ينابيع الخلاص ليغرفوا منها ما أضاعوه في العالم من ذوق العيش الإلهيّ. هذه هي الحياة مع الله... بل الرّهبنة هي حياة الإله منذ بدء تاريخ الكنيسة وستبقى حتّى الانقضاء.
الأم مريم |