وصلني سؤالَكِ بشكلِ مقالةٍ تسكبين فيها معاناتكِ وفرحتُ بما كتبتِ رغم طولِه.
يا بنيّتي!... إلهُنا هو الإلهُ الجبّارُ، القديرُ، الرّحوم، الدّيّان، العادل الّذي تجسّد لخلاصنا ولرَجعتِنا إليه!!... ليس له وجهٌ واحدٌ وفعل واحد وتصرّف واحد مع خليقته الّتي أبدعها على صورته ومثاله!.
هو ديّان؟ نعم... هو مؤدِّب؟ نعم... هو معلِّم؟ نعم... هو غفّار لخطايانا؟ نعم... هو محبّ وحنون؟ نعم... إذا عدنا بتوبة صدوق إليه حاملين خطايانا له ومتوجّعين من ثقلها علينا وعدم استطاعتنا التخلّص منها واحدة فواحدة إلاّ بالإيمان به وبكلمته وبتجسّده وبالجهاد والصّبر الطّويل واتّباع وصاياه وأحكامه وذرف الدّموع والسّهر والصّوم!!...
فرحتُ أنكِ امتددت إلينا بعد قراءتك قصّة في موقعنا عن القدّيس أفتيميوس "وكيف تصرّف بقسوة وعاقب الخاطئ عقابًا قاسيًا"... فشككتِ تاليًا "برحمة الرّبّ"!.
"مَن يحبّه الرّبّ يؤدّبه"... لماذا؟! أهل يؤدِّب الأب في العالم ابنه لأنّه يكرهه؟ أهل يعاقبه هكذا مجّانًا، أم أنّه يفعل ما يفعله لأنّه يريد أن يُصلح اعوجاج سيرته ليعود عن خطيئته إلى طريق الحقّ؟!... والرّبّ الإله، أيعاملنا بهذه الحكمة لخلاصنا أو يتركنا بلا تأديب مأكلاً للعدوّ الّذي عمله الأساس تدمير خليقة الرّبّ لإبعادها عن وصاياه وأحكامه والسَّير إليه، وقبول صليبه الّذي حمله عنّا لأجل سقوطنا وخروجنا من نتن طبيعتنا الدّنسة المائعة المحبّة للّذّة والافتخار وعبادة الذّات؟!
قلتِ: "قد كان حبّي للرّبّ أكبر من إيماني!!!... فأنا خاطئة أكثر من هذا الرّجل ألف مرّة وخطاياي كثيرة ولن أتوقّف عن الخطيئة مهما حاولت"... الخ.
هذا هو القاسم المشترك للّذين يحبّون أن لا يكبروا وينمو للتعرّف على حقيقة وعنف وبشاعة سقوط آدم وحوّاء الّتي نحملها كلّنا في كياننا والّتي تتلازم وروح الرّبّ القدّوس الّذي نفخه فينا...
"التّأديب" هو الدّواء الشّافي لنفسنا السّاقطة!!!.
وهذا يتماشى جنبًا إلى جنب مع محبّة الإله الّتي لن نعرف كُنْهَها وعِظَمِها ومجّانيَّتَها مهما عشنا وتبنا وبكينا وصمنا... كلّ هذه التي نقوم بها هي أفعال تربويّة بشريّة!! أمّا الأكاليل الّتي يجازينا عليها الرّبّ بحبّه الغامر، فهي الاتكال الكامل عليه والتسليم الكليّ له وحمل الآلام واحتمال التّجارب والضّيقات الّتي يسكبها علينا ويسمح بها لتطهيرنا بالكلّيّة من لعنة حوّاء الأولى، بالاتّضاع والصّبر والصّمت لكي تصير على مثاله حاملين صليب خلاصنا له لنَتّحِد به.
أنتِ تعرفين ماهية السّقوط!!... فاخرجي من إنسانكِ العتيق الدّيّان والمحاسِب، حتّى للرّبّ، وتقبّلي كلّ ما يرسله عليكِ ولكِ وافرحي بتأديبه وبحنانه وبغفرانه... ولنفرح كلّنا بكلّ ما يرسله علينا وإلينا سامعين قولته: "كنتَ أمينًا في القليل فأُقيمك على الكثير أُدخل إلى فرح ربّك"... وكلّ ذلك لا يأتينا إلاّ بالتّسليم الكامل لمشيئته وبالصّبر والغفران لكلّ الّذين يسيئون إلينا... لا تخافي!!! بل استجمعي نفسك الدّاخليّة على قولته أيضًا: "تقووا وصيروا رجالاً في الرّبّ"، فتدخلين ملكوته السّماويّ لأنّه قال أيضًا أنا أُريد الكلّ أن يخلصوا وإلى معرفة الحقّ يُقبلوا!!.
لا تشكّي ولا تحاسبيه وقديسيه بل اقبلي كما حنانه، تأديبه للخلاص والدخول في ملكوته الأبدي، ولكن من الباب الضيّق وليكن سلامُه فيكِ. آمين.
الأم مريم
|