يا سوسن... فرحتُ بسؤالكِ... لأنّه يدل على ٱهتمامك بالتراث الكنسيّ وبالحياة الرّهبانية. أما موضوع ”التشدّد“ كما أسميتِهِ، فهو خاص بكلّ رئيس أو رئيسة دير وبالجماعة الرّهبانيّة الّتي في الدّير. التقليد لا يفرض، بل يُراعي خبرة الآباء الّذين سبقونا وأرسوا الحياة الرّهبانية بدءًا على ”عشق“ أو محبّة الرّب يسوع من كلّ القلب وكلّ الفكر وكلّ النّفس والتسليم الكامل له في شخص رئيس أو رئيسة الدّير أوّل بدايات الطريق في طلب الحياة الرّهبانيّة. الحياة الرّهبانية ”صعبة“؟! لا للذين يحبّون!!. وهي تاليًا ”مستحيلة“، للذين يعشقون أنفسهم وأفكارهم وآراءهم وينتقدون الآخرين!!!. إنسان كهذا لا يمكنه، حتّى لو كان قادرًا على الوقوف في الكنيسة والسّهرانات ساعات طوالاً وضرب المطّانيّات الكثيرة الكثيرة والصّوم كما يحلو له بدون طلب إذن رئيسه... إن ينجح هذا المتقدّم في ٱختبار الحياة الرّهبانية سيفشل في عين الرّب بدءًا وفي عين رئيسه الممحِّصِ نوايا قلبه وعمق فكره ونفسه... الحياة الرّهبانية هي موت يومي عمّا ينويه الإنسان بدون بركة رئيسه... الحياة الرّهبانيّة هي نزعٌ لكلّ ما تعلّمه الإنسان في ماضيه، قبل توجّهه إلى الدير ليختبره... الحياة الرّهبانية هي الأنتَ لا الأنا، حتّى يحيا المسيح فينا... الحياة الرّهبانية هي صمت عن خطايا ونوافل وأخطاء الآخرين وإماتة النفس في محبّتهم والصّلاة لهم من كلّ القلب حتّى يحفظهم الرّب من الشرّير... بهذا يهدأ سعير الشرير، بل يهرب من محاربة المتقدّم، لأنّه لا يحاربه أو يجادله، بل يصمت ويُصغي من كلّ نفسه لتمتمات وهفيف الرّوح القدس حوله. فإذا عاش واحد من الرّهبان أو الرّاهبات هكذا، في دير ما فإنّه يخلّص ديره وكلّ من فيه، لأنّه وقبل بلوغه المراتب الأرقى في الحياة الرّهبانية والأسمى في الصّلاة وقطع مشيئته والبكاء على خطاياه هو وعلى خطايا الآخرين، يبلغ شاطئ الأمان هاربًا من الحرب الّتي يوحي بها الشيطان ضدّه في كلّ لحظة من نهاره وليله.
في الحياة الرّهبانية، ”يا سوسن“، ليس من تشدّد أو تراخٍ، بل موت عن الأنا!!. وأوّل ما يتعلّمه طالب الرّهبنة هو قولة: ”لست أنا أحيا بعد، بل المسيح يحيا في“... (غلاطية 20:2). ”الصّبر“ هو المسمار الخامس الّذي يُدَقّ في جسد السّيّد على الصّليب وفي قلب كلّ واحد منّا.. لأنّ الرّب يقول: ”من صبر إلى المنتهى فذاك يخلص“ (متى 22:10)... الصّبر على الذات وضعفها والصّبر على الآخرين تاليًا.
أما النّذور الرّهبانية فهي العيش في الفقر والطّاعة والعفّة!!. فإن عرفها طالبها وصارت هي قبلته كلّ يوم، للعيش في تتميمها مع الصّبر، يكون قد طال الملكوت منذ الآن ويصبح وجوده في الدّير تمسّكًا بالوصية: ”أحبب قريبك كنفسك“...
هكذا يحيا طالب الرّهبنة في الصّمت وتأمّل أعمال وأحكام الله قصدَهُ فيه هو، وفي الآخرين!!. فكلّما ٱزداد حبّه لإلهه وتوقه، بل شوقه لملازمته وإرضائه، وزّع السّلام في ما ومن حوله، ليلقى أجره بفرح ومحبّة الآخرين حوله؛ أما في صلاته فيَلقى نفسه محفوفًا بالإنعامات الإلهيّة والبركات والفرح الّذي لا يُنزع منه، فيدخل الخدر الإلهي ليحيا في حالة الرّضى!!!. هذا هو التشدّد في القبول... فإذا أردتِ تصديق ما كتبتُهُ لكِ الآن، فتعالي وزورينا بموعد، فإمّا تلقَيْن بعض الفرح والفردوس هنا، وإمّا الجحيم!... |