سؤال وجواب الأحد 20 كانون الأول 2009

     جاء في كتاب الحياة "أن يدخل جمل من خرم الإبرة أسهل من أن يدخل غني ملكوت السماوات". والإبرة أداة اخترعها الصينيون في القرن السابع عشر. هل من الممكن توضيح هذه الآية؟

سامر هـ.

     الصورة في هذه الآية رائعة!!. والرب يسوع المسيح استخدم هذه الاستعارة ليظهر لنا بوضوح غلّو الغني في عشق ذاته الذي جعله يملأ حضوره الكون حوله بل يصير هو الكون والذي لن يمكّنه من دخول خرم الإبرة.

     لا علاقة لهذه الآية بالإبرة كأداة خياطة وإن الصينيين اخترعوها في القرن السابع عشر. هذا مشكوك فيه لأن كل شعوب الأرض اخترعت ما كانت بحاجة إليه لخياطة ثيابها. إبرة كانت أم مسلّة كبيرة أو إلخ...

     الموضوع هو خطيئة الغنى في الغني، بل بالحري بخل الغني وحبّه لذاته الذي جعله ينسى الله بدءاً والقريب تالياً.

كما أعطى الرب الحياة للإنسان نافخاً فيه روحه، هكذا نعرف الله مجتزئاً ذاته. دون أن يخسر من ذاته!!!. هذه هي إحدى صفات الألوهة التي تطابق واقع وحقيقة الإنسان إذا أَعطى من غَرْفِ عطاء الإله له. إذا أعطى لا من عنديّاته، لأن الإنسان في سقوطه صار مجزوءاً في عطائه، محدوداً، بخيلاً، نفسانيّاً. يعطي كي يُكافأ ولا يعطي الذي لا يمجدّونه ويشكرونه وينفعونه لينمو في حياته معهم ولهم.

     الغنى عطية من الإله للإنسان كي يحيا به ويوزّعه على المحتاجين إليه!!. فالكتاب ذكّر الإنسان حاثاً إياه على العطاء بقولته:" بدّد وأعطى فبرّه يدوم إلى الأبد"...

لا أبديّة للإنسان بعد سقوطه من حضن الإله إلاّ بالعطاء!.

والعطاء يعني المشاركة ويعني وعي وجود الآخر في عين الكيان، في قلبه، في عقله، في سرّ وجوده وتواجده على الأرض في هذا العمر قبل انحلاله في التراب. والعطاء يعني لبس حب الإله للإنسان ليمتدّ به من الآخر إلى الحضن الأبوي.

ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه؟!

وخسران النفس هو بالموت في الأنا وفي وحشتها بعيداً عن رسم ابتسامة شكر ورضى، ابتسامة فرح على مبسم الآخر من الإله إذ يتمّم حاجته!

مشكلة الغني أنه لا يعود بفضل ما له إلى ربّه!...يستغني عن الإله لأنه يعتبر أنه بعرق جبينه أكل خبزه ويجمع المال ويغتني بما له...

ومشكلة الغني أنه ألغى البركة من حياته!!.

والرب علّم الإنسان الدخول من الباب الضيّق إذا رام ملكوت السماوات!

لأن الطريق الرحب يوصل الإنسان إلى الهاوية التي هي جحيم النفس، فالموت!. أمّا الباب الضيّق فيجرف من أنا الإنسان كل ما علق بها من مادّة السقوط لينقّيها من أهوائها. من حبّها وعبادتها لذاتها، من بخلها، من حبّها الاستئثار والتجميع. من خوفها من الموت والسعي لتأمين آخرتها. من قلقها إذ ابتعدت عن روح السلام الذي يعطيه الرب لها. إذا جلست عند قدميه تسمع كلامه وتعمل بوصاياه، إذا أغنت ذاتها في البذل والعطاء. لأن من يموت للآخرين يحيا في الإله حتى ولو كان غنياً.

قيل عن زوجَين غنيَّين يحبّان الإله، إن الله منحهما مالاً كثيراً فقسّماه ثلاثاً!. جزء لهما ولذرّيتهما وجزء لبيت الله والفقير وجزء ليستثمراه حتى يكثّرا العيش في العطاء.

هكذا فلنفرغ ذواتنا مما نملك لنذخل ملكوت السمّاوات من ثقب الإبرة، من الباب الضيّق.

الأم مريم