بدءاً فرحت جداً بسؤالك المنبثق عن معاناة جدّية في عيش الحياة الروحية. كل الأوضاع والأحوال والحياة متغيّرة في الكون، لأن الإنسان بعد سقوطه من حضن الإله اللاّمتغيّر والثابت وحده في الفردوس، صار هو، بل نصّب نفسه إلهاً فوق الإله، ناسياً أن هناك إلهاً خالق السماوات والأرض. كل ما يرى وما لا يرى؛ مبدعاً لذاته فردوساً كاذباً؛ ألا وهو هذا العالم. في هذا الموت والغربة عن الله الخالق، سقط الإنسان في المتغيّر، غير الثابت الذي هي نفسه مستقياً حياته من ذاته، لذلك ختم يومياته بالإنفعالات النفسية، الجسدانية التي اشرأبت لتتحكّم به وهي اهواؤه... سقط بدءاً في الإحتيال والكذب إذ ظن وما يزال أن عين الإله لا تراه في ما يفعل، مخالفاً هكذا الوصيّة الإلهية. نفى الإنسان نفسه عن حب الإله، إذ أحب ذاته وسقوطه، هكذا مات!!!. "رياح التجارب" هي هدية من الله، تصفعنا وتخبطنا لنعي أن ما نحياه ونسعى إليه في هذا العمر هو باهت اللون ولا حياة فيه ولا استمرارية بل فناء وتغيّر... بهذه التجارب المتتالية وبالرجوع إلى حضن الكنيسة وإرشاد آبائنا والعيش بحسب الوصية الإلهية نهدأ، نعرف، نراجع أنفسنا، نختار ما يوافقنا في الإله، أو نبتعد عنه لنحيا شقاء أنفسنا، باكين وشاكين كلّ أيام حياتنا ما وصلنا إليه، بسبب انصرافنا عن حضن ووصية الإله في الإنجيل. يبقى الإنسان حيادياً عندما يختص الأمر بقرار التكريس. وذلك لأن الإنسان لا يختار الإله والعيش معه بالدخول من الباب الضيّق، يل يتعوّد الإنصراف والإنخراط في شؤون العالم، الدراسة، العمل، العائلة وحب هذا العالم أكثر من حب العالم الآتي وأبديّته. عندما يعيش الإنسان مواظباً في دراسته أو مركزه وساعياً بنشاط للإتقان والنجاح فإنه يسعى إلى التقدّم لينال المكافأة... هكذا الساعي على دروب الرب في حياة معه، فإنه وإذ يعيش مع الإله، يسعى لأن يعرفه أكثر وأن يرضيه في سعيٍ وجهاداتٍ وطاعةٍ أكبر ليصل إليه في حياته وتكريسها بالكليّة له. الشيطان حاضر "يا مريم" وهو في سعي دؤوب وعمل لا يتوقّف لإبعاد أحبّة الله عن العيش مع الإله وتكريسهم لجني ثمار الفرح والسلام والحياة الأبديّة لهم ولكل الذين يصلّون لأجلهم... العدو ناشط في سعيه وخبثه ونحن متبالدون في حبّنا للإله وفي سعينا وجدّيتنا إقتناء الملكوت. المدعوون كثيرون لكن المختارون قليلون... لماذا؟؟!!. لأن الذين يقبلون الدخول من الباب الضيّق قليلون، الذين يرضون وضع أنفسهم بالكليّة تحت طاعة يمين العليّ التي تؤدّبهم وتخبطهم لتخرج أوساخ نفوسهم وأهوائهم منهم...كيف يرضى الإنسان المذّلة والإتضاع والأقصاء ونكران الأنا؟! كيف يرضى البصاق والشتم واللطمات التي كابدها السيّد لخلاصنا؟! كيف يقبل بشغف المشابهة بربّه، ليتحّد به على صليب مجده كل يوم وليلة ولحظة، حتى الموت عن نفسه ليقتني بالنعمة الحياة الأبدية؟!... إفعلي ذلك... بل إفعلوا ذلك... فنخلص كلّنا وأهل بيتنا... الكل مختار لكن قليلون يسمعون ويطيعون ويتولون بملء كيانهم... "هأنذا أمة، وعبد لك... فليكن لي بحسب قولك يا رب".
الأم مريم |