العدد الحالي في 14 آذار 2010

حول القدّيس يوحنا السّلّمي

       في هذا الأحد الرّابع من الصّوم الكبير ذكرى للقدّيس يوحنّا السّلّمي. وله في التّقويم الكنسي، عيد آخر، في الثّلاثين من آذار. هو، عندنا، صورة للتّوبة ومعلّم لها ومَعين للمحبّة الإلهيّة. في صلاة الغروب، يوصف بأنّه ناسك "التهب بعشق حارّ وبنار المحبّة الإلهيّة" وبأنّه طوّع "الجسد العسر الانقياد للذهن بأتعاب النّسك"، فتطهّر بينابيع الدّموع وأطفأ، بجهاداته، جميع الأهواء. سكب جهاداته ومعارفَه بالنّفس البشريّة والفضائل الّتي اكتسبها في كتاب عُرف بـ"السّلّم" أو "السُّلّم إلى الله" صار ناموسًا للحياة النّسكيّة وشكّل منهجًا "للصّعود العلويّ لكلّ أحد". هذا انتشر في الكنيسة كما لم ينتشر كتاب نسكيّ آخر. فبدءًا من القرن السّابع للميلاد أخذ ينتقل من اليونانيّة إلى السّريانيّة والعربيّة والسّلافيّة والرّومانيّة والصّربيّة والرّوسيّة والفرنسيّة والإنكليزيّة واليونانيّة الحديثة... في الغرب، ظهرت له أوّل ترجمة كاملة بالّلاتينيّة في القرن الرّابع عشر.

       القدّيس يوحنّا، كشخص، لا نعرف عنه الكثير. راهبان شهدا له: دانيال رايثو وأنستاسيوس. إلى ذلك نعرف شيئًا عنه من كتابه. نعرف أنّه اعتزل في جبل سيناء في السّادسة عشرة من عمره، تحت جنح شيخ اسمه مرتيريوس. صار راهبًا في العشرين. نسك في تولا القريبة من دير سيناء في الخامسة والثّلاثين. أقام في مغارة. بعد أربعين سنة، من حياة التّوحّد، اختير رئيسًا لدير سيناء. أنستاسيوس السّينائيّ حكى أنّ النّبيّ موسى حضر بنفسه تنصيب القدّيس يوحنّا رئيسًا وصار يخدم الضّيوف. ارتبط اسمه بموسى، كليم الله، لأنّ كلاهما ذو علاقة بسيناء، وكلاهما أخذ شرائع من الله وأعطاها للنّاس. ما أُعطي لموسى عُرف بـ "النّاموس" وما أُعطي ليوحنّا عُرف بـ"النّاموس الجديد".

       الأركان الأساسيّة للشّرائع الرّوحيّة عند القدّيس يوحنّا السّلّمي سبعة:

       1 -  التّوبة . وهي تجديد للمعموديّة وعهد يلتزمه التّائب في أن يبدأ حياة جديدة وبها يتطهّر الوجدان من كلّ نجاسة.

       2  -  العنف الدّاخليّ .  في تحديد السّلّمي للرّاهب الأمين الحكيم "هو مَن يحفظ غيرته متّقدة إلى النّهاية... إلى أن يتحوّل خُلُقنا المحبّ للّذّة... إلى خُلُق محبّ لله".

       3  -  النّسك الجسديّ .  القصد منه هو مكافحة الموت الّذي ازدوج بطبيعتنا البشريّة. لكنّه لا ينفع شيئًا من دون تواضع وعون الله.

       4  -  التّمييز .  هو ما يضبط الجهد الرّوحيّ ويوجّهه. ينشأ من الطّاعة والاتّضاع. ويعطيه الله كنعمة.

       5  -  الصّلاة النّقيّة . ما يتوخّاه المجاهد هو الدّخول في شركة شخصيّة مع الله والإقامة في نوره.

       6  -  صلاة المناجاة .  وهي التّوجّه إلى الله في مستوى سرّ القلب. هذا يعتمد على الاقتضاب في الكلام والتّواتر في ذِكر اسم الله.

       7  -  الّلاهوى والمحبّة . الّلاهوى هو المعرفة الكاملة لله وسماء الله الذّهنيّة في القلب. والمحبّة هي الذّروة وتشكّل مع الّلاهوى والبنوّة ثالوثًا نظير النّور والنّار والّلهب.

       لا فرق، عند القدّيس يوحنّا السّلّمي، في نوعيّة الحياة المسيحيّة، بين الرّهبان وعامة المؤمنين، بل في الدّرجة. فالمسيحيّ، في فهمه، "هو مَن يتشبّه بالمسيح في أقواله وأفعاله وأفكاره، قدر استطاعة الإنسان، ويؤمن بالثّالوث القدّوس إيمانًا قويمًا خاليًا من العيب". لذلك الرّاهب، عنده، هو المسيحيّ. حتّى المتزوِّجون بإمكانهم أن يسلكوا كرهبان في إطار حياتهم الزّوجيّة. بعض المتزوِّجين سأل يوحنّا: "كيف يكون ذلك؟" فأجابهم: "افعلوا ما استطعتم من الصّالحات... لا تخدعوا أحدًا. لا تسرقوا أحدًا. لا تتشامخوا على أحد. لا تمقتوا أحدًا. لا تنقطعوا عن صلوات الكنيسة. اعطفوا على المحتاجين. لا تُعثروا أحدًا. اكتفوا بنسائكم... إن فعلتم ذلك فلن تكونوا بعيدين عن ملكوت السّموات". هذه هي الرّهبانيّة العامة القائمة على أساس الوصيّة الواحدة للرّبّ يسوع لكلّ المؤمنين به.

       معرفة السّلّمي بالنّفس البشريّة عميقة. لذلك بعض البحّاثة يقيم مقاربة بينه وبين بعض علماء النّفس كيونغ. دونك ما يقوله، مثلاً، في موضوع اليأس: "هناك يأس ناتج عن ثقل الخطايا وتعب الضّمير والحزن الّذي لا يُحتمل نتيجة إصابة النّفس بجراحات عميقة تغور النّفس، بتأثيرها، في لجّة القنوط. وهناك يأس من نوع آخر نقع فيه بسبب كبريائنا وغرورنا إذا ما حسبنا أنّنا لا نستحقّ السّقطة الّتي عرضَتْ لنا. فمَن يلاحظ يتبيّن ما يميِّز كلاً منهما: فالأوّل، أي يأس الخطايا، يؤول إلى الاستسلام للامبالاة... والثّاني، أي يأس الغرور، إلى ممارسة الأتعاب... كأنّها بلا جدوى. غير أنّ الإمساك عن الأهواء وحسن الرّجاء يشفيان الأوّل، وأمّا الثّاني فيشفيه التّواضع وعدم إدانة أحد".

       كتاب "السّلّم" وإن كان موجَّهًا، في الأساس، للرّهبان والنّسّاك، ففيه الكثير من الملاحظات المفيدة لعامة المؤمنين. لنأخذ مثلاً موضوع العفّة والزّنى. دونك بعض ما يبديه: الزّنى هو من محبّة الذّات. ليس من الطّبيعة بل استغلال للطّبيعة وانحراف عنها. هو حبٌّ ممسوخ. النّار الّتي تضطرم في الجسد سببها الاعتناء الزّائد بالجسد ورخاوة السّيرة من خلال الأكل والشّرب والّلباس والعطور والمظهر والرّشاقة. مَن لا يقمع حركات جسده تستاقه رغباته إلى حيث تشاء. قبل الوقوع في الزّنى يأتينا فكر أنّ الله محبّ للبشر، وبعد السّقوط فيه يأتينا فكر آخر أنّ الله لا يُشفق. هذا يفعله الشّيطان ليلقينا أوّلاً في الخطيئة ثمّ في اليأس. عادمو الخبرة توعز لهم حيّة الزّنى بأن يختبروها ولو مرّة ثمّ يكفّوا عنها. أمّا الّذين سبق لهم أن وقعوا فيها فتذكّرهم بخبراتهم السّابقة لتُوقعهم من جديد. روح الزّنى يدفع الإنسان إلى التّظاهر بالفضيلة، وهو يخترق النّفس بسرعة هائلة. من هنا أهميّة الحرص. من الأمور الّتي تسهّل انسياب روح الزّنى: الشّراهة والكبرياء والعُجب وإدانة القريب...

       لقد جعلت الكنيسة، في الأحد الرّابع من الصّوم، ذكرى القدّيس يوحنّا لتفتح عيوننا على واقع النّفس البشريّة وأصول حفظ النّفس من الوقوع في الخطايا الّتي تُظلم القلب. الغرض هو نقاوة القلب والغرض من نقاوة القلب هو المعاينة، والغرض من المعاينة هو أن نعرف الله وأن تكون لنا شركة في قيامته.

       فمَن له أذنان للسّمع فليسمع.

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما